📁

رواية عشق ودموع الفصل التاسع 9 بقلم سهر أحمد

رواية عشق ودموع الفصل التاسع 9 بقلم سهر أحمد 


رواية عشق ودموع الفصل التاسع 9 


 روايه عشق ودموع 

(ما بين عشق قلبين من سينتصر) 


#بقلم الكاتبه سهر احمد 


الفصل التاسع: زواج على حافة الكراهية


لم يكن الزواج هدنة، بل بداية حرب باردة.

منذ الأيام الأولى، أصبح الخلاف جزءًا ثابتًا من البيت، لا يحتاج سببًا واضحًا ليشتعل. آدم يريد زوجة، حضورًا، خضوعًا، وامتلاكًا كاملًا. ومريم لم تكن ترى فيه سوى الرجل الذي فرض نفسه عليها بالقوة، لا شريكًا ولا سندًا.

كانت تهمله قدر ما تستطيع. تتجنّب الجلوس معه، تقلّل الكلام، تتهرّب من أي اقتراب. وكلما حاول أن يفرض نفسه، ازداد بعدها، وكأن المسافة بينهما فعل مقاومة صامتة. لم تكن تكرهه بالصوت، لكنها كانت ترفضه بكل ما تملك من روح.

مرت السنوات الأولى ثقيلة.

بعد ثلاث سنوات، أنجبت سيف. لم يكن الطفل ثمرة حب، بل نتيجة حياة فُرضت عليها. حملته مريم بين ذراعيها وبكت، لا لأنها ندمت، بل لأنها خافت. خافت أن يرث ملامح رجل لم تستطع أن تحبه، وخافت أكثر أن تظلمه في قلبها دون قصد. لكنها حين نظر إليها سيف بعينيه الصغيرتين، قررت أن يكون ابنها قبل أن يكون ابن آدم.

مرت خمس سنوات أخرى، وأنجبت جنات. طفلة جاءت إلى عالم بارد، لكنه أضاء قلب مريم من جديد. أحبّتها دون شروط، دون حسابات، دون ذنب. أطفالها لم يكونوا خطأها، بل الشيء الوحيد النقي في هذه الحياة المعقّدة.

ومع ذلك، لم يتغيّر شيء بينها وبين آدم.

لم تحبه. لم تعتبره زوجًا.

كل ما كان يحدث بينهما كان يتم رغمًا عنها، بلا رغبة، بلا دفء، بلا قبول. سنوات طويلة كانت تشعر فيها أنها تُنتزع من نفسها كلما اقترب، وكأن الجسد يُجبر على ما ترفضه الروح. وكانت في كل مرة تغلق عينيها، لا ترى آدم، بل ترى يوسف. الرجل الذي أحبّته يومًا، والذي لم تستطع اقتلاعه من قلبها مهما حاولت.

وكان آدم يشعر بذلك.

كان يرى اسمه في صمتها، في بعدها، في برودها. وفي كل مرة يتواجهان، كان الغضب يخرج من فمه كسكين:

— إنتِ لسه بتحبيه. يوسف لسه عايش جواكي.

كانت تنظر إليه بثبات موجع وترد:

— إنت عارف كويس أنا سيبت يوسف ليه. سيبته علشان أولادي. علشان تهديدك. علشان خوفك.

كان يضغط أكثر، صوته يحمل تهديدًا قديمًا لم يمت:

— فكّري كويس. كل مرة تحبيه أو تفتكريه، إنتِ بتأذيه… وبتأذي أولادك.

عندها كانت مريم تنفجر، لا بالصراخ، بل بالحقيقة:

— إنت اللي طلبت أسيبه. وأنا عملت كده. ضحّيت بحب عمري علشان أولادي. عايز إيه أكتر من كده؟ عمري؟ روحي؟ كرامتي؟

ثم تقولها بوضوح لم يعد يحتمل الالتفاف:

— عمرك ما هتنالني بإرادتي. كل اللي بينا غصب. وأنا مش هكون زوجتك بجد. خد اللي إنت عايزه غصب، لكن عمري ما أديك نفسي برضا.

كانت كلماتها قاسية، لكنها صادقة.

وآدم، رغم قوته، كان يعرف أنها محقّة. كان يعرف أنه امتلكها بالقوة، لكنه لم يمتلك قلبها يومًا.

وفي وسط هذا الجحيم، كانت مريم تتمسّك بشيء واحد فقط:

أولادها.

— سيف وجنات ملهمش ذنب. متكرّهنّيش علشان أبوهم. دول أولادي… دول عمري كله.

كانت أمومتها خط الدفاع الأخير. الشيء الوحيد الذي لم يستطع آدم كسره أو السيطرة عليه.

وبين خناقات لا تنتهي، وبيوت مليئة بالصمت الثقيل، كانت السنوات تمر، لا تشفي، بل تُعمّق الجرح.

لم يكن هذا زواجًا.

كان سجنًا طويلًا،

ومريم كانت تعدّ الأيام…

دون أن تعرف أن النهاية ستأتي،

لكن ليس بالطريقة التي تخيّلتها يومًا.


لم يكن آدم من الرجال الذين ينسحبون بهدوء. كان يرى رفضها له إهانة، لا حزنًا. وكل يوم يمرّ دون أن تنكسر، كان يزيد من قسوته، لا لأنه يكرهها، بل لأنه عاجز عن امتلاك ما يريد. كان يريد قلبها كما يريد جسدها، وحين أدرك أن القلب عصيّ، قرر أن يحاصره بالخوف.

صار البيت ساحة توتر دائم. نظراته تلاحقها، أسئلته تحمل اتهامًا خفيًا، وصوته لا يرتفع كثيرًا، لكنه كان كافيًا ليصنع رعبًا صامتًا. مريم تعلّمت أن تقيس كلماتها، أن تحسب خطواتها، أن تخفي دموعها حتى عن نفسها. لم تعد تبكي كثيرًا، البكاء يحتاج مساحة، وهي لم يعد لديها شيء فاضل.

كانت تذهب إلى بيت والديها أقل مما تتمنى، لا لأنها لا تريد، بل لأنها تخشى أن يلاحظ آدم أن قلبها ليس هنا. ومع ذلك، كانت كل زيارة لأولادها تشبه جرعة حياة. غزل كبرت، صارت تفهم أكثر مما ينبغي، تراقب أمها بعين امرأة صغيرة، وتسأل دون كلام. ومؤيّد، صار أكثر صمتًا، أكثر حذرًا، كأنه يتدرّب على الرجولة مبكرًا.

أما سيف، فكان مختلفًا. طفل يشبهها في الملامح، هادئ، متعلّق بها بشكل يخيفها أحيانًا. كانت تخشى أن ترى فيه آدم، لكنها كلما اقترب منها، كلما ضمّته، شعرت أنه امتدادها هي، لا امتداد الرجل الذي جاء به إلى الحياة. وجنات كانت ضحكتها الوحيدة، صوتها الصغير كان يخفف ثقل الأيام، حتى وهي تعرف أن هذه الطفلة وُلدت في بيت لا يعرف الحب.

كان آدم أحيانًا يتظاهر بالهدوء. يحاول أن يبدو زوجًا طبيعيًا أمام الناس، أبًا حاضرًا أمام الأطفال. لكن خلف الأبواب المغلقة، كان يعود هو نفسه. يتهمها بالبرود، بالخيانة الصامتة، بالعيش في الماضي. وكان اسم يوسف يعود دائمًا، كأنه سلاح جاهز للطعن.

— مش طبيعي إنك لحد دلوقتي مش ناسيه.

كانت ترد ببرود منهك:

— النسيان مش زرار بيتداس.

وكان هذا الرد وحده كافيًا لإشعال ليلة كاملة من الصمت القاسي.

في وحدتها، كانت مريم تتساءل أحيانًا: هل أخطأت؟ هل كان يمكنها الهروب؟ لكنها في كل مرة كانت ترى وجوه أولادها، وتتذكر التهديد، وتعرف أن الاختيارات أحيانًا لا تكون بين الصح والغلط، بل بين الأسوأ والأقل سوءًا. وكانت قد اختارت أن تكون هي الضحية، لا هم.

مرت السنوات، وملامح آدم تغيّرت. صار أكثر عصبية، أكثر غموضًا. سفره زاد، مكالماته صارت سرية، وماله تغيّر. مريم لم تسأل. لم تعد تهمها التفاصيل، بل كانت تخشى أن تعرف. كانت تشعر أن هناك ظلالًا ثقيلة تقترب، أن هذا الرجل يحمل وراءه شيئًا أكبر من مجرد قسوة زوج.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت ترتّب الغرفة بهدوء، سمعته يتحدث في الهاتف بصوت منخفض، كلمات لم تفهمها، لكن نبرته كانت مختلفة. حين دخل، نظر إليها طويلًا، كأنه يزن شيئًا في رأسه. شعرت بقشعريرة، لكنها تماسكت.

في تلك الليلة، نامت وهي تضم جنات إلى صدرها، وتضع يدها الأخرى على رأس سيف، وتهمس في قلبها دعاءً لا ينتهي. لم تكن تطلب السعادة، بل السلام فقط. كانت تعرف أن هذا السجن لن يدوم إلى الأبد، وأن كل شيء مؤقت مهما طال.

وفي مكان بعيد، كان يوسف يعيش حياته الناقصة، لا يعلم أن اسمه ما زال يُذكر كسكين، ولا يعلم أن امرأة أحبّها يومًا ما زالت تحيا بنصف روح. لم يكن يعرف أن الخيوط التي قُطعت يومًا، لم تُقطع حقًا، بل أُخفيت تحت طبقات من الصمت والخوف.

وكان القدر، في صمته المعتاد، ينسج طريقه ببطء.

طريقًا لا يشبه أحدًا،

ولا يرحم أحدًا،

لكنه دائمًا… يصل.


عند يوسف في غرفته


كان يوسف وحده تلك الليلة.

الوحدة لم تكن غياب أشخاص، بل امتلاءً بذكريات لا تعرف الرحيل.

جلس قرب النافذة، الضوء خافت، والمدينة صامتة على غير عادتها. لم يكن يفكر في مريم بقرارٍ منه، هي لا تحتاج إذنًا لتعود. تأتي فجأة، كاملة، كما كانت دائمًا.

تذكّرها أول مرة رآها فيها.

لم تكن لحظة درامية، ولا لقاءً استثنائيًا. كانت عادية إلى حد جعلها خالدة. وقفت أمامه، تبتسم بخجل، عيناها تحملان شيئًا لم يفهمه وقتها. لم يعرف يومها أن تلك النظرة ستطارده عمرًا كاملًا. كان يشعر براحة غريبة معها، كأن الحديث لا يحتاج جهدًا، وكأن الصمت بينها وبينه لغة مكتملة.

تذكّر ضحكتها الأولى، كيف كانت تسبق كلماتها.

تذكّر خوفها الخفيف من المستقبل، وكيف كان يعدها أن كل شيء سيكون بخير، وهو يصدق ما يقول. معها، كان يوسف رجلًا مختلفًا، أهدأ، أصدق، وأضعف دون خجل. كانت تعرف نقاط قوته، لكنها كانت ترى ضعفه وتحبه.

تذكّر أيام الحب الأولى، حين كان العالم أوسع من الخوف، وحين كان الغد فكرة جميلة لا تهديدًا. كيف كانا يتحدثان عن البيت، عن الأطفال، عن الحياة البسيطة التي تشبههما. لم يحلم بقصور ولا مجد، كان حلمه الوحيد أن يعود إليها كل مساء.

ثم تذكّر الزواج.

لم يكن مثاليًا، لكنه كان حقيقيًا. خلافات صغيرة، صلح سريع، ضحك بعد دموع. كانت مريم أمًا قبل أن تكون زوجة، وكان يحبها أكثر وهي تحمل غزل، ثم مؤيّد. كان يرى فيها قوة لا تشبه أحدًا، وكان يشعر أن وجوده بجانبها يكفي ليحميها من أي شيء.

لكن الذكريات لا تتوقف عند الجمال.

تذكّر أول مرة تغيّر صوتها.

أول مرة صمتت دون سبب.

أول مرة نظرت إليه وكأنها تودعه وهي ما زالت بين يديه.

تذكّر الخوف الذي دخل حياتهما دون دعوة. مكالمات غامضة، قلق دائم، وطلبها المفاجئ أن يبتعد قليلًا. قال لنفسه وقتها إنها متعبة، إنها تحتاج مساحة. لم يشكّ، لم يتهم، فقط وثق… وربما كانت تلك أكبر أخطائه.

ثم جاء اليوم الذي طلبت فيه الطلاق.

لم ينسَ نبرة صوتها. لم تكن باكية، كانت مكسورة.

قالت الكلمات كأنها تحفظها منذ زمن. لم تشرح كثيرًا، لم تدافع عن نفسها، فقط قالت إنها مضطرة.

سألها: لماذا؟

فنظرت إليه نظرة رجل يُخبر بالموت دون تفاصيل.

تذكّر تلك اللحظة جيدًا.

لحظة انهياره الصامت.

لم يصرخ، لم يتوسّل، لم يشتم. فقط جلس، كأن شيئًا انطفأ داخله إلى الأبد. وقّع على الطلاق وهو لا يفهم كيف يتحوّل الحب إلى ورقة، وكيف يخرج الإنسان من حياة شخص كان روحه.

بعدها، عاش.

لكن الحياة كانت شكلًا بلا مضمون.

لم يتزوج، لم يحب، لم يسمح لأحد أن يقترب. كان وفيًّا لامرأة لم تعد له، ولذكريات لا حق له فيها.

أغمض يوسف عينيه، وتنفس بعمق.

همس باسمها دون صوت، كأنه يخشى أن يسمعه القدر.

لم يكن يطلب عودتها، ولا ينتظر معجزة.

كان فقط يريد أن يعرف:

هل كانت بخير؟

هل كانت تستحق كل هذا الألم؟

فتح عينيه، وحدق في الفراغ، وقال بصوت مكسور:

«لو كان الحب ذنب… فأنا مذنب إلى الأبد.»

وفي صمته، لم يكن يعلم أن ذكرياته ليست وحدها التي استيقظت،

وأن الماضي الذي دفنه احترامًا…

كان يستعد للعودة،

لا ليؤلمه فقط،

بل ليغيّر كل شيء.


هكذا قال يوسف في حديثه لنفسه ومايخباء لهو الايام


بعض النهايات لا تأتي لأن الحب انتهى، بل لأن القدر قرر أن يختبر القلوب إلى أقصى حد… وحين ينجح الاختبار، لا يعود أحد كما كان.

نهاية الفصل التاسع

يتبع

الرواية كامله من ( هنا )

انتظروني الفصل العاشر 

حين  ييداء الخيط في الشد

Mohamed ME
Mohamed ME
تعليقات