رواية " حكايات جدو إدريس " الفصل الاول 1 بقلم ريتا سليمان
حكايات جدو إدريس الفصل الأول 1
عمران .. هات البندقية وتعالى.. في عفريت ظهر في أرض جدك ادريس .. يالا بينا بسرعة قبل ما يهرب ..
يا ترى ايه الغريب في الجملة دي ؟! .. تخيل كده معاية .. تكون عندك حتة أرض، وفجأة اخوك يدخل عليك البيت .. ويطلب منك تروح معاه عشان تتخانق مع عفريت ! ..
هيكون رد فعلك إيه ؟ .. اكيد هتقول; هو مين المجنون اللي هيروح يتخانق مع عفريت .. دا عفريت يعني ما يتلعبش معاه.. وانا بقولك لا في، في ناس كانت زمان بتتخانق مع العفاريت .. ومش بس كده .. كمان العفاريت هي اللي كانت بتخاف وتهرب منهم، اكيد مستغرب كلامي
ودا حقك، لكن الحاجة اللي لازم تصدقها وتؤمن بيها، أن زمان اجدادنا، كانوا بيتعاملوا مع الجن .. كأنهم كائن مادي زيها زي الحيوانات بالضبط .. ونادراً ما تلاقي شخص
بيخاف منهم زي دلوقتي .. ومن حسن حظي، إني لقيت حد من الناس دي، اللي قرر يشاركنا سلسلة حكايات .. مكونة من سبع قصص حقيقية ومختلفة .. الشخص ده هو الحاج ( ادريس ) .. عنده 71 سنة ..
هو عنده اكونت على الفيس بوك .. وكان واحد من بين ناس كتيرة، شدهم لقب طبيبة الجن .. فقرروا يسألوني عن سبب اختاري للاسم ده بالذات .. وللعلم .. لما الحاج ادريس كلمني اول مرة .. افتكرت إنه حد بيعاكس أو يستظرف .. ودا نتج عنه انفعال شديد مني، لكن سرعان ما انتبهت، ان الحاج ادريس شخص على نياته وتلقائي، يعني على البركة كده .. فعشان كده أنا شرحت له سبب اختياري للاسم
بطريقة مختصرة، بعدها كلمني عمران وده بيكون حفيد الحاج ادريس .. كان بيعتذر ليا على سوء التفاهم اللي حصل، ومع الوقت .. بقى الحاج ادريس ( جدو أدريس) وبقيت بكلمه دايماً .. واجاوب على بعض الاسئلة المتعلقة بعالم الجن .. بالاضافة اني كنت بفسرله منامات كان
بيشوفها أحياناً، وبين المواضيع المختلفة اللي اتكلمت فيها معاه، لاحظت إنه مهتم بعالم الجن وبيصدق فيهم جداً، فسألت الاستاذ عمران حفيد الحاج ادريس .. لو يسمح أن جده يحكيلي، حكايات حصلت معاهم أو مع حد من
معارفهم، عشان اتفاجيء هنا، أن جدو ادريس عاش قصص .. أغرب من الخيال .. هو وبعض الناس اللي يعرفهم .. لكنه كان متردد يحكي القصص دي .. وبعد الحاح شديد مني وافق أخيرا انه ينشر القصص .. وده على شرط .. اني اغير أسماء بعض الشخصيات، طبعاً كل الشكر ل عمران الي كان بيساعدني، عشان اقدر اتواصل مع الحاج ادريس ..
واكتب تفاصيل الحكاية من اولها لأخرها بس اللي كنت مستغرباه في بداية .. تواصلي مع أستاذ عمران وحابة اعرفه، هو وجود اكونت لشخص عمره 71 سنة .. ودا شيء نادر تلاقيه في وقتنا ده، ومكنش قدامي الا اني اسأل عمران .. وافهم منه أصل الحكاية، وكان جواب عمران كالتالي ..
"بصي، هو قصة الاكونت غريبة شوية، بس هحكيهالك عشان تفهمي السبب .. جدي ادريس قبل أربع شهور تقريباً أتعرض لنزلة برد حادة .. وبسببها اخذناه لاكتر مكان مش بيحب يكون فيه .. الا وهي المستشفى، مع العلم إن جدي ادريس عمره ما دخل مستشفى، أو اخد أي علاجات ..
سبحان الله كان لما بيمرض تاني يوم احواله تتحسن، من غير ما يدخل المستشفى أو يأخذ أي دوى .. المهم لما جدي دخل هناك قررنا نستغل الفرصة .. ونعملوا شوية تحاليل .. بما أننا خلاص اقنعناه يدخل عند الدكتور، وبعد ما الدكتور فحص جدي .. واخذ عينات الدم عشان يعمل التحليل
اللازمة، جدو كان لأمم حوليه كم ممرضة وبيهزر معاهم، وبعد ساعة بالضبط .. ظهرت نتيجة التحاليل، اول ما الدكتور بص عليها فضل مبرق من غير ولا كلمة، وكانت الصدمة والدهشة ظاهرة بوضوح على ملامحه ..
طبعاً في الوقت دا .. انا كنت خايف ومرعوب، وفاكر أن ممكن يكون جدي بيعاني من مرض خطير وايامه بقت معدودة، سألت الدكتور وانا متوقع أسمع اسوء إجابة ممكن أحصل عليها عشان اكتشفت بعدها .. أن التحاليل زي الفل ، وأن جدي مش بيعاني من أي مرض من الأمراض اللي
بيتعرض ليها كبار السن زي مثلاً الضغط والسكر والقلب أو ضعف نظر حتى.. تخيلي حتى مفاصله كانت زي الفل .. طبعاً كان الدكتور بيحاول يتأكد لو التحاليل دي فعلا لجدي كان فاكر أن حصل خطأ .. والتحاليل إتبدلت مع تحاليل شاب عنده 20 سنة، وطلب من الممرضة تتأكد، بس هنا جدي انفعل .. وشخط فيه وهو بيقول:
_إيه مالكم، ليه مستغربين اني مش عيان على فكرة الصحة دي رزق من عند ربنا .. ملهاش علاقة بالسن، وبعدين يأما في شباب واطفال من غير صحة، إيه أنتم هتقسموا ارزاق ربنا على كيفكم، بس تقول إيه، الحق مش عليكم .. الحق على اللي دخلني المستشفى دي أصلا"
جدي خرج وهو منفعل و متعصب بشكل كبير .. بس واحدة من الممرضات اسمها علياء .. كانت ممرضة ظريفة حبتين، نادت عليه وحاولت تطيب خاطره بكلمتين .. وقالت وهي بتهزر:
_استنى يا عم .. مش هديني رقمك، أو الاكونت بتاعك .. على الأقل عشان ابعتلك ادد ونكون أصدقاء، وسيبك من كلام الدكتور هو بس تعبان بسبب الألم المفاصل"
طبعاً جدي فهم أنها بتهزر، ورغم كده هو اجبرني اعملوا اكونت بأسمه، ومخرجش من المستشفى الا بعد ما خلاني اعمل الاكونت، وابعت ادد للمرضة علياء .. ورجعنا البيت وفضلت شهر كامل بعلم جدي .. ازاي يستخدم الفيس بوك، لدرجة في مرة صحاني حوالي الساعة 2 بالليل، وهو
بيطلب مني اغيرله صورة البروفايل .. واحط صورة تانية تكون احلى، ليلتها بصيت لجدي وانا محتار، كان هاين عليا اخد منه الموبايل وارميه من الشباك، بس طبعاً مكنتش هقدر اعمل كده، لسببين، الأول .. إني بحب جدي وبحترمه جداً، وبكون زعلان لما تخلص فترة قعاده عندنا ..
_استنى .. استنى يا أستاذ عمران .. قصدك ان جدك مش عايش عندكم على طول .
_مش بالضبط كده، هو الموضوع باختصار أن ليا أربع اعمام، ودول كانوا متفقين كل شهر جدي هيقعد عند حد فيهم، ودا طبعاً عشان يعتنوا بيه بالتساوي، اما السبب
التاني .. هو اللي انتي متوقعة تسمعه .. جدي ادريس عنده خادم من الجن، تقدري تقولي انه متصاحب معاه من زمان وبيحميه، يعني يا ويل أي حد يضايقه، لو حد زعله على طول يلاقي المصايب جاية له من كل نحية، ودي الحقيقة اللي كلنا عارفينها في البيت، ولو شاكة في كلامي تقدري تسأليه لما يتصل بيكي !
وانتهى الحوار مع عمران على كده، اما أنا .. ولا لحظة شكيت في صدقه، لأني بتبع حدسي الخارق وغالباً بيطلع صح .. المهم انشغلت فترة يومين بعدها لقيت أن جدو ادريس متصل عليا يجي أربع مرات، رديت عليه ببصمة
صوت، واتفقت معاه على جدول معين، نكمل فيه كتابة القصص، وهو زي ما وعدني، اتصل بيا بعدها بساعات قليلة، وابتدى يحكيلي عن قصة حصلت معاه من سنين، القصة اللي مش هتقدر تستوعبها، الا في حال كنت عايش الفترة اللي عاشها الحاج ادريس، ودلوقتي هسيب القصة تكمل على لسان جدو ادريس بنفسه .. وهو بيحكي ويقول :
أنا ادريس محمد، هبتدي حكايتي معاكم، من لما كان عمري 16 سنة، كنت عايش في منطقة ريفية وكان ليا جد معروف، وصاحب كلمة بين الناس .. واي مشكلة كانت تحصل في المنطقة عندنا كانت الناس تقصد فيها جدي الل
ه يرحمه، يعني باختصار ..جدي كان اشبه بقارب النجاة لناس كتيرة، لكن للأسف، بعد وفاته المشاكل كترت، ومن بين المشاكل دي، هي مشكلة أرض ( حماد ) الأرض دي كان عليها نزاع بين اسرتين من دم واحد .. للأسف كانت بين
ولاد العم بين أسرة تميم واسرة صالح، بالنسبة للأرض .. فدي كانت ضمن مجموعة اراضي تابعة لعيلة تميم، لكن عيلة صالح انكرت ده .. وادعت ان الارض ملكها، رغم أنه في أوراق رسمية تنفي ادعائهم، بس الطمع والشر كان عامي قلوبهم ولنفس السبب دا .. حصل ما بينهم معركة بالأس* لحة النارية، إتسببت بخسارة سبع ارواح .. سبع رجالة ماتوا على الأرض نفسها، وسال دمهم واختلط
بالتراب، مات ثلاثة من عيلة صالح واربعة من عيلة تميم،الشرطة في وقتها وصلت متأخرة .. قبضت على كبار العيلتين، وتم حجز الأرض اللي حصل عليها النزاع، واتحط حوليها أشرطة كونها بقت مسرح جريمة، اما بقية الرجالة فهربوا .. ومحدش قدر يمسكهم، وفضلت مشكلة الأرض متعلقة لمدة سنة ونص، وطول السنة ونص اللي عدت،
كانت الحادثة دي بتتكرر بنفس تفاصيلها .. في تاريخ يوم 8 من كل شهر، يعني بنفس اليوم اللي حصلت فيه المعركة بين العيلتين، ومش بس كده، كمان كانت الناس بتلاحظ ظهور كمية غبار فضيعة بتتشكل على المساحة الي اتقتل عليها رجالة عيلة تميم، والموضوع طبعاً اتنسب للجن
والعفاريت وبقت اسم أرض حماد .. يتقال عليها أرض ( عفاريت الغبرة ) وبعد السنة ونص حصل صلح وعيلة تميم استرجعوا ارضهم تاني .. مقابل دم ابنهم الرابع اللي اتقتل عليها .. يعني كل فرد من عيلة تميم، كان قصداه فرد من
عيلة صالح .. اما الفرد السابع، فتم اخد الأرض مقابل دمه .. بالاضافة أن عيلة تميم وافقت على الموضوع ده مجبرة .. عشان يوقفوا سلسال الدم الي كان هيحصل بين العيلتين .. الأمور كان المفروض تبقى تمام، لكن ده للأسف
محصلش، والسبب ان الارض بقت بور، بعد ما كانت أرض خصبة ومناسبة للزراعة، بقت كأنها أرض ميتة، وحرثها وزعها كان صعب جدا، عشان كده قرروا انها تتباع أو تتساب تحت الشمس، لحد ما يجي مشتري يأخدها، وبعد فترة قصيرة جا شخص اسمه كريم، كريم بالرغم انه اتولد في قريتنا إلا أنه عاش فترة كبيرة بعيد عنها .. بسبب
دراسته في العاصمة، المهم كريم رجع بعد سنين بشهادة وتريخص، يسمحله يفتح عيادة بأسمه .. والموضوع ده كان بناء على رغبة والدته، طبعاً سعر الأرض كان مناسب لكريم، وكمان موقعها كان كويس جداً .. كريم بنى بيت وبنى جنب منه عيادة بس بعد عذاب وصعوبات كتيرة، والسبب أنه من وقت ما أشترى الارض مشفش فيها يوم عدل .. عدى أربع شهور كاملين، وهو بيحاول يخلص البناء بتاع البيت
والعيادة، كل يوم كانت بتظهر مشكلة شكل .. ده غير أن العاصفة التربية اللي كانت بتظهر كل شهر على أرض حماد .. كانت سبب في عرقلة الشغل، ورغم كم العكوسات دي كريم ماحولش انه يرجع الأرض .. ومكنتش عارف إيه سبب اللي بيحصل فيها، وبعد عناء وصبر اكتمل البيت والعيادة،
وانتقل كريم للبيت هو واسرته .. واللى كانت مكونة من خمس اشخاص، ابوه وامه واخواته البنات نوارة ومنيرة واميرة، لكن بعد انتقالهم بحوالي أسبوع، حصلت حريقة جوى البيت وللاسف كل الأسرة راحت ضحية الحريق ده .. ما عدا فرد واحد، وهي نوارة الأخت الكبيرة لكريم .. كان
عندها 29 سنة تقريباً، خرجت من البيت تجري وهي كتلة نار مولعة، والناس قدرت تطفيها وتنقلها المستشفى، نوارة إتعرضت لحروق صعبة من الدرجة الثالثة وتم انقاذها بصعوبة .. طبعاً أهل القرية تعاطفوا معها، ودفعوا تكاليف علاجها لحد ما بدئت تتعافى تدريجياً، ومن سوء حظها .. مكنش ليها اقارب أو حد تعرفه ممكن تلجئ ليه ..
نوارة خرجت من المستشفى وهي فاقدة للنطق بسبب الصدمة، بالاضافة لتشوهات مخيفة في وشها وباقي أجزاء جسمها، وطبعاً مكنش عندها مكان تروح له غير بيتهم اللي اتحرق، لكنها كانت رافضة حتى تسمع سيرته، وكمان
إصابتها بحالة اشبه بالصرع، بتصرخ فجأة ومن غير سبب، ولوهلة تحس أنها بتتخانق مع حد غير مرئي، كانت بتقعد برة البيت وهي بتعيط، لحد ما اشفقت عليها ست اسمها سمية، واخذتها تعيش عندها كانت الست سمية ست تقية وبتعرف ربنا، بعد وفاة جوزها رفضت ترتبط، وقررت تفضل عايشة على ذكراه المهم نوارة عاشت فترة شهر ونص عند
الست سمية، قدرت بعدها تستعيد النطق من تاني .. وأول حاجة قالتها للست سمية، أن اللي حرق بيتهم وتسبب بموت أهلها .. هو عفريت شاب هي تعرفه من عيلة تميم واسمه زيدان، لما الست سمية حاولت تفهم الموضوع اكتر .. نوارة قالت لها:
_اللي اعرفه أن زيدان مات من زمان، بسبب موضوع الأرض بس أنا كنت بشوفه، كان بيظهرلي دايما ويطلب مني أقول لأهلي يمشوا من الأرض دي، لأنها أرض مملوكة مينفعش حد يسكنها، وكنت بقول لأبوية، لكن ابوية كان بيقولي، أن أنا بتخيل عشان مش متعودة على البيت لسا،
بس تاني يوم الموضوع تطور، أنا حلمت أني واقفة مع ماما في المطبخ وكنا بنطبخ، ماما كانت ماسكة سكينة وبتقطع اللحم، فجأة ظهر زيدان في زاوية المطبخ وفي اتار تلات رصاصات في دماغه .. كان واقف وعلامات الغضب واضحة عليه .. كنت الوحيدة اللي شايفاه، وكنت بصرخ بس صوتي مكنش راضي يطلع، زيدان قرب من ماما، واخد السكينة منها وراح قاطع صوباعها، صحيت مفزوعة من المنام على صوت غليض بيقولي:
_اخرجوا بالحسنى .. أو هتخرجوا ميتين من البيت ده .. أنا حذرتكم وعملت اللي عليا"
قمت مفزوعة من المنام ده غسلت وشي .. ودخلت اعمل فطار، هنا لمحت نقط دم على أرضية المطبخ كنت خايفة وبحاول أفهم، هو الدم ده وصل هنا ازاي ولمين أصلا .. ولقيت الجواب لما ماما دخلت وهي لأفة صوابها بقماشة مليانة دم، جريت وانا بحاول أعرف إيه الي حصل معاها، وعرفت بعدها أنها جرحت نفسها بالسكين .. وهي بتقطع اللحم ! .. ساعتها أنا ربطت المنام بالواقع، وحذرتها وطلبت منها تخلي بابا يسيب البيت ونروح نرجع بيتنا القديم ..
لكنها رفضت .. وقالت أن البيت القديم اتباع وفلوسه اتصرفت، وفي اليوم الثالث كنت راجعة من عيادة كريم على حوالي الساعة 6 ونص المغرب .. وهنا لمحت غبار متشكل على هيئة انسان كان ثابت في مكانه فضلت شبه مشلولة ومش مستوعبة اللي شايفاه قدامي بدأت اقراء قران لحد ما الغبار تلاشى تماماً، وفي نفس اليوم بالليل
صحيت حوالي الساعة 3 الفجر على صوت غريب نوعاً ما، كان بينادي بأسمي وبيطلب مني أخرج من البيت حالاً .. لأني لو فضلت هموت كنت بقول لأهلي على موضوع الصوت اللي بسمعه .. بس محدش فيهم كان راضي
يصدقني، رغم إن اختي منيرة سمعتني بكلم حد وانا نايمة، وحتى إني نطقت بأسم زيدان اكتر من مرة، وكانت دايما تصحى، تلاقيني بعيط وأنا نايمة وبتوسل لشخص، إنه يطفي النار بس لما كنت بصحى مكنتش بفتكر تفاصيل الاحلام اللي بشوفها، وأخر موقف حصل كان قبل الحادثة، يومها كنت بنظف حوش البيت، وشفت كلب اسود واقف من غير حركة، كان على بعد أمتار عني .. أنا وطيت على الأرض عشان اخذ حجر واضربه شلت الحجر، ولما رفعت رأسي الكلب أختفى .. كأنه تلاشى تماماً، المساحة اللي
قدام بيتنا كانت مفتوحة يعني مستحيل الكلب يختفي بالسرعة دي، وفي نفس المكان والتوقيت ظهر غبار لونه احمر، كان عمال يلف في مكان واحد كأنه زوبعة .. لما ركزت تخيلت وجود هيئة راجل لابس هدوم بيضة، وفي حاجة زي الكوفية ملفوفة على دماغه، دخلت البيت وانا خايفة من المنظر اللي شفته .. واقنعت نفسي إني كنت بتخيل مش اكتر، استمر الوضع على كده لحد اليوم السابع، ليلتها سمعت فيه نفس الصوت اللي بيكلمني ديماً المرة دي قالي:
_فترة التحذير خلصت .. اخرجي انتي من البيت لو عايزة تعيشي، اخرجي حالاً وبسرعة"
كنت فاكرة أن ده مجرد كلام زي كل يوم، تجاهلت الموضوع ونمت، وهنا حلمت بزيدان ابن عيلة تميم كان شايل شعلة من نار وبيتمشى في البيت، وصل عندي وهو بملامح اشبه بملامح الموتى قرب وقالي بنبرة غضب:
_انتي لسا هنا .. معناها انتي زيهم .. ولازم تدفعي تمن اقتحامك املاك غيرك"
بعدها رمى عليا شعلة النار وهي مولعة، في اللحظة دي اتفزعت وفتحت عيني وانا شايفة جوى الاوضة كتلة نار مولعة في الهوى .. ابتديت أصرخ، ومع صراخي كتلة النار دي جات نحيتي و كأنها سمعتني ومسكت فيا .. وبعدها معرفش حصل إيه، لكني وقتها حسيت، كأن في رياح
شالتني وخرجتني برة البيت، صحيت وانا في المستشفى، وفاكرة كل التفاصيل .. لكني مقدرتش اتكلم وقتها كنت شايفة شخصين، ومعاهم تميم واقفين في الاوضة .. وباصين نحيتي بأهتمام، وسمعت نفس الصوت بيقولي:
_مكنش قصدي اضرك، بس انتي اجبرتينا نعمل كده بسبب رفضك انك تطلعي بالحسنى، ولأنك رفضتي تلبي طلباتنا، اوعي ترجعي البيت تاني، لأنك المرة دي هتخسري حياتك"
_بعد ما نوارة حكت الموضوع ده للست سمية، الست سمية
نقلته بالحرف لشيخ الجامع، وبحضور كبار المنطقة، لكن الكل رفض يصدق كلامها، وقال أن نوارة اخترعت القصة دي. عشان تفضل عايشة عند الست سمية، وكمان يمكن يكون كلامها ده ناتج عن صدمة عصبية، المهم بعد ثلاث سنين، الست سمية للأسف مرضت بمرض خبيث في المعدة وتوفاها الله، والورثة باعوا البيت اللي كانت ساكنة فيه، ومكنش عند نوارة مكان تاني تروحله غير بقايا البيت اللي اتحرق، نواره راحت بمساعدة كم شخص وعمرت اوضة جوى البيت عشان تسكن فيها وهي مجبرة نوارة مكنش حابة ده نهائي خاصة ان البيت كان بعيد ومنعزل عن باقي البيوت، وفي بداية قعاد نوارة في البيت، كان أي شخص يقرب من جنب البيت المشؤوم ده، كان بيسمع صراخ
وعياط نوارة وهي بتنادي أن البيت بيتحرق، ولما يكسروا الباب، بيلاقوا أن نوارة نايمة وكل حاجة تمام، ومفيش لا حريق ولا غيروا والاكثر غرابة هو الغبار اللي كان بيظهر على هيئة سبع اشخاص بيطوفوا حولين البيت كل ليلة، واي شخص كان بيمر من جنب البيت بالليل، بيلاقي أن في حجارة كتيرة تتحدف نحيته بقوة، كنوع من التحذير بعدم الاقتراب، استمر الوضع لمدة سنة .. نوارة كانت مش
بتخرج الا نادراً بعدها بفترة طويلة محدش بقى يزورها أو يسأل عليها وعدت سنين، لغاية ما نوارة خرجت من البيت، بس خرجت شخص تاني خالص شعرها كان ابيض تماماً، ملامحها زادت بشاعة ملابسها كانت وسخه ومتقطعة، بدأت تشحت عشان تعيش، بعض الناس كانت بيشفق عليها، لكن البعض الآخر كان بيخاف من شكلها، واطفال القرية كانوا
بيهربوا اول ما بيلمحوها، كل اللي ذكرته كان عاد، لكن اللي كان غريب ومخيف، هو نبوءة نوارة، نوارة كانت لما بتشوف أي حد، تقوله اسرار محدش يعرفها غيره، وتتوقع حاجات هتحصل، وبتحصل وتتحقق بعد فترة قصيرة، ولما حد يضايقها كانت بتمتم بكلام مش مفهوم وفي نفس اليوم الشخص ده يتعرض للضرر بالغ، بقت سمعة نوارة، أنها ملبوسة، وتعايشت وتأقلمت مع عفاريت الغبرة، لدرجة أنهم بقوا متعودين على وجودها ومتقبلين ده"
الحاج ادريس كان بيتكلم .. وانا كنت بسجل الكلام عشان ارجع اكتبوا بالتفاصيل المذكورة .. لكن استوقفني سؤال ملح يا ترى هل الحاج ادريس .. قابل نوارة دي، وهل حصل ما بينهم موقف .. ولما سألته كان الجواب:
_ايوة حصل، فمرة قابلت نوارة، كنت وقتها عندي 26 سنة، وكنت رايح الجامع أنا واخوية عشان نصلي العصر، اول ما لمحتها قربت، وسألتها لو محتاجة أي مساعدة، بصت ليا وهي بتضحك ضحكة مكنش ليها معنى وقالت لي:
_مش عايزة حاجة منك .. أنا معاية اللي يساعدني بس انت خلي بالك مفيش مين يساعدك، انت هتروح المسجد وهناك هتقابل حد، وهدور الأيام وهتبقوا قرايب، بس خذ بالك من أمها، عشان امها ست مفترية هتشوف منها الويل"
_نوارة قالت كلامها اللي اشبه بالطلاسم ومشيت وانا كملت طريقي، وتقريباً مركزتش في كلامها كتير، وصلت الجامع ودخلت صليت، وبعد ما انهيت الصلاة بثواني قليلة، لقيت نفسي جنب رجل كبير في السن، وكان واضح أنه عيان .. كان بيحاول يقوم يوقف لكنه مكنش قادر، روحت مقرب عليه وسندته لحد ما وقف، بعدها مشى خطوتين ورجع بص نحيتي وشكرني، بس انا كنت ملاحظ أن الرجل مكنش قادر يسند طوله، كان عمال يترنح يمين وشمال، جربت نحيته وعرضت عليه اني اوصله لبيته الرجل شكرني ومكنش حابب يتعبني، بس أنا اصريت اني اساعده، مشيت معاه مسافة لحد ما وصلت لبيته، بعدها عزم عليا ادخل
اشرب معاه كبابه شاي، ودخلت البيت اللي كان شكله بسيط وكان واضح أن الرجل غلبان وعلى قد حاله، المهم دخلت وقعدت، وابتديت اتعرف على الرجل، كان معروف بأسم ابو حمزة، عايش مع مراته وبناته الخمسة، وللاسف هو مكنش عنده غير البنات، الرجل كان صعبان عليا اوي، شربت الشاي وخرجت وانا بحمد ربنا على النعم اللي عندنا، المهم عدت الأيام واتصاحبت أنا وابو حمزة، رغم انه أكبر مني سناً .. وبعد مرور أشهر قليلة ابوية كان ناوي يجوزني،
وكنا بندور على بنت كويسة .. فخطر على بالي ابعت امي لبيت أبو حمزة، تشوف لو عنده بنت مناسبة ارتبط بيها، وكان هدفي اني الاقي بنت تصوني وبالمرة اكسب فيها ثواب، في البداية ابوية رفض الموضوع، لكن بعد ما شرحت له هدفي رحب بالفكرة .. وبعدها أمي راحت وشافت بنات أبو حمزة وخطبت ليا أكبر وحدة فيهم، وكان عندها 22 سنة واللي بقت بعد كده مراتي .. وحصل وإتحققت نبوئة نوارة، في اني اقابل أبو حمزة ونبقى نسايب، بعد فرحي
بشهر، عرفت أن في ناس شامة ريحة وحشة طالعة من اوضة نوارة، روحت أنا وكم شخص وخبطنا عليها، لكنها مكنتش بتفتح، ومكنش قدامنا الا اننا نكسر الباب، ولما كسرناه لقينا نوارة ميتة بطريقة صعبة، كانت مبرقة عنيها وفاتحة بقها على الآخر كانت ريحته المكان وحشة لا
تحتمل، بالاضافة لوجود حشرات شكلها غريب محاوطة الج*تة من كل جانب، دا غير وجود عظام متبعترة في المكان وملهاش مصدر معين، ومن غير ما ادخل في تفاصيل كتيرة، احنا اخذنا ج*تة نوارة لمغسلة وبعد تغسيلها وتكفينها دفنها في مقابر الصدقة، وكنا فاكرين أن قصة نوارة خلصت بدفنها .. لكن للأسف
ناس كتيرة شافت نوارة، وهي عمالة تطوف حولين البيت، اللي كانت عايشة فيه وفي غبار متشكل على هيئة سبع اشخاص كانوا ماشيين وراها كأنهم اتباع ليها، ولما الناس تقرب من البيت، كل حاجة كانت تتلاشى وكأنها مظهرتش اساسا .. دا غير اطفال القرية اللي كانوا بيصرخوا وهما
بيقولوا .. أنهم شافوا نوارة، للأمانة عفريت نوارة عاش فترة بيظهر، لكن بعد ما الجامع دفع صدقة بأسمها .. ظهورها بقى شبه نادر لكنه غير منعدم"
الحاج ادريس سكت ثواني معدودة .. بعدها قال
تعرفي يا بنتي .. كلام نوارة عن حماتي طلع صح حماتي فعلاً طلعت ست مفترية .
هنا أنا اخفيت ضحكتي عن جدو ادريس .. وسالته عن سبب الكلام ده، فكان الجواب كالاتي:
_لا .. لا يا ريتا دي قصة طويلة، هتأخذ مني وقت كتير على ما افتكرها، خليني اريح كم ساعة كده وبعدين هرجع اكلمك .. ونكمل باقي التفاصيل .. لان التفاصيل اللي جاية هتكون، اهم حاجة تسمعيها مني"
يتبع
حكايات جدو إدريس الفصل الثاني 2