📁

رواية عشق يحيي الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم سلمي جاد

 رواية عشق يحيي الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم سلمي جاد



رواية عشق يحيي الفصل التاسع والعشرون 29 

البارت 29

يحيى صحي من النوم ببطء، وعينه لسه مغمضة، لكن مناخيره بدأت تلقط ريحة غريبة، ونفاذة جداً. استغرب وفتح عينه واحدة واحدة وهو بيدور في الجناح يمين وشمال: "إيه الريحة دي؟ هو فيه صرف ضُرب في القصر ولا إيه؟".


بص جنبه لقى ليلى مش موجودة، اتعدل في سريره وبص ناحية الكنبة اللي قصاد السرير، واتصنم مكانه من الصدمة. ليلى كانت قاعدة وعاطياله ضهرها، ومندمجة جداً وبتطلع أصوات همهمة بتلذذ .

يحيى بص في الساعة لقاها يادوب سته ونص الصبح! قام من على السرير وهو مش فاهم حاجة، وقرب منها، ولما شاف المنظر عيونه جحظت بصدمة: ليلى لابسة جلافز بلاستيك في إيديها، وماسكة رينجاية في إيدها، وقصادها صينية عليها أطباق بصل أخضر متقطع، وطحينة، ورينجايتين تانين غير اللي في ايديها ..


يحيى نطق بذهول وصوت مخنوق من الريحة:

"ليلى! أنتي بتعملي إيه يا حبيبتي على الصبح كدة؟"


ليلى لفت بوشها وبان على شفايفها أثر الطحينة، وابتسمت بتلقائية وفرحة طفولية وقالت:

"بفطر يا حبيبي.. تحب تدوق ؟"


يحيى حط إيده على مناخيره ورجع خطوة لورا:

"تفطري رنجة؟ الساعة ستة الصبح يا ليلى؟ وبصل؟"


هزت راسها ببراءة وهي بتمضغ:

"نفسي راحت لها أوي يا يحيى، واول ما فتحت عيني النهاردة وأنا شامة ريحتها في مناخيري لدرجة إني مقدرتش أقاوم.. قومت كلمت السوبر ماركت بعتها لي دليفري فورا، وخليت حد من الخدم يشويها لي تحت بسرعة ويطلعها."


يحيى وهو بيحاول يستوعب :

"بس يا حبيبتي رنجة وبصل على الريق ده انتحار! معدتك مش هتحمل."


ليلى هزت كتافها بدلال وهي بتغمس لقمة كبيرة في الطحينة:

"ماما منال قالت لي إن ده وحم، وأي أكل يجي على بالي لازم آكله فوراً عشان بعد الشر البيبي ميطلعش فيه علامة.. ولا انت عايز ابنك يطلع في وشه بطروخ يعني !؟"


يحيى سكت وهو بيتأمل الرنجة اللي اتبهدلت بين إيديها وقال بسخرية:

"لأ طبعاً وعلى إيه.. بس بذمتك الرنجاية دي ذنبها إيه يتهتك عرضها بالشكل ده ؟"


ليلى كملت أكل بتلذذ رهيب وقالت:

"ايش عرفك أنت في أصول الأكل.. الرنجة متمتعش إلا لو اتفصصت بالإيد كدة. ومدت إيدها اللي فيها حتة بطروخ وقالت له: "ها.. تدوق؟"


يحيى هز راسه بسرعة ورجع لورا برعب:

"لا لا.. أنا ماليش في الكلام ده خالص، كلي أنتي يا حبيبتي بالهنا والشفا.. أنا هقوم أهرب، أقصد أخرج، ألحق أشم شوية هوا قبل ما يغمى عليا."


لسه بيتحرك ناحية الباب، اتصعق لما سمع صوتها بينادي عليه برقة مريبة:

"يحيى.. حبيبي.. معلش وأنت نازل، خلي حد من الخدم يعملي عصير مانجا ساقع عشان هموت عليه، بس اتأكد إنه طازة ."

يحيى وقف مكانه بصدمة، ولف لها وهو مبرق ومش مصدق الي سمعه


________________________________


ميادة كانت واقفة في نص أوضتها، الضلمة محاوطاها والسكوت بيصفر في ودنها. مكالمة التهديد كانت زي الكابوس اللي مش عايز يخلص، والمليون جنيه رقم مستحيل تجيبه، ملقيتش قدامها غير حل واحد، حل هيخليها تنزل لأسفل سافلين ..

تسللت قبل طلوع النهار والقصر كله غرقان في نوم عميق، مشيت في الممرات الطويلة زي خيال أسود، كانت بتمشي على طراطيف صوابعها وقلبها بيدق في زورها لدرجة إنها كانت بتكتم نفسها. وصلت لمكتب الجد، زقت الباب ببطء ورعب وهي بتدعي في سرها إن ميكونش فيه حد.


دخلت وبدأت تدور بعين عن الدرج السري اللي هي عارفة مكانه من سنين، فتحته بصعوبة وهي بتسمع صوت الخشب اللي بيزيق في ودنها كأنه صرخة. طلعت مفتاح الخزنة، وإيدها كانت بتترعش لدرجة إن المفتاح وقع منها على السجادة، وطت جابته وهي بتمسح العرق البارد اللي نزل على وشها.


فتحت باب الخزنة الحديدي، وأول ما نورت كشاف الموبايل الصغير، عينيها زغللت من رزم الفلوس والسبائك اللي مرصوصة بنظام 

"سامحني يا بابا.. أنا مكنتش عايزة أعمل كدة، بس يحيى لو عرف هيدبحني.. أنا بشتري عمري يا بابا."


بدأت تلم الفلوس في شنطتها بهستيرية، كانت بتحط الرزم فوق بعضها وكأنها بتمسح آثار جريمتها بجريمة أكبر. كانت بتلتفت وراها مع كل حركة ريح بره الشباك، وشها كان شاحب زي الأموات، وعينيها مليانة غدر وخوف. مكنتش واخدة بالها إن فوق المكتب، وسط الكتب القديمة، فيه عين حمراء صغيرة، كاميرا دقيقة جداً زرعها يحيى وزين، كانت بتسجل كل حركة، وكل لفتة، وكل ذرة خوف في عينيها.


_________________________________


عمر فضل طول الليل يتقلب في سريره، النوم خاصم عينيه والأسئلة كانت بتنهش في عقله زي الدود. بيفتكر نبرة الرعب في صوتها وهي بتترجى الشخص اللي بيكلمها.

 بس الحقيقة إن نار الغيرة كانت أشد من نار الفضول؛ رسالة الولد كانت بتتعاد قدام عينيه زي شريط سينما، والشك بدأ يصورله إن فرق السن بينهم فجوة عايمة، ممكن أي ولد قريب من سنها يملأها بكلام معسول هو مبيعرفش يقوله بحكم رزانته وشغله.


فاق من دوامة أفكاره على صوت باب الحمام؛ كانت عائشة خرجت وهي لابسة وجاهزه، شكلها كان هادي ورقيق جداً. قربت منه وهو نايم ومغمض عينيه بيمثل إنه لسه غرقان في النوم، مالت عليه وهمست برقة:

"حبيبي.. أنا رايحة السنتر، عايز مني أي حاجة؟"


عمر هز راسه بتمثيل متقن وهو بيطلع صوت نوم، عائشة ابتسمت وقبلته من خده بحنان، عدلت شنطتها وخرجت بخطوات هادية. أول ما قفلت الباب، عمر اتنفض من السرير كأن قرصه تعبان.

دخل الحمام غسل وشه بمية ساقعة عشان يفوق، ولبس بسرعة قميص أسود شيك وبنطلون جينز غامق، بص لنفسه في المراية وحس للحظة إنه مراهق بيطارد حبيبته، بس الغيرة كانت عمياه. أخد مفاتيحه وموبايله، وخرج وراها وهو عارف كويس إن اللي بيعمله غلط كبير، لكن اللي كان مسيطر عليه في الوقت ده هو صوت قلبه وغيرته العاميه. 


وصل السنتر وركن عربيته بعيد شوية، لبس نضارته السوداء وفضل مراقب الباب من بعيد، لحد ما شاف عائشة وهي داخلة، وشاف الولد اللي صورته لسه محفورة في ذاكرته وهو واقف مستنيها قدام الباب بابتسامة عريضة وماسك في إيده الملزمة اللعينة.

عمر ضغط على دريكسيون العربية بقوة لدرجة إن عروق إيده برزت من الغيرة والغضب .

____________________________


ضحى كانت خارجة من عمارتها، بتعدل شنطتها وبتسرع خطوتها عشان متتأخرش، وفجأة سمعت صوت مألوف بينادي عليها: "ضحى!". 

لفت وشها بسرعة وبمجرد ما لمحت العربية، ملامحها اتوترت وجريت ناحيتها وهي بتبص حواليها بخوف، وأول ما وصلت قالت بنبرة قلقة: "زين! أنت إيه اللي جابك هنا؟ حد يشوفنا!".


زين بصلها بابتسامة هادية وكلها حب وقال: "جيت أوصلك، معقولة أسيبك تروحي الكلية لوحدك وأنا موجود؟ اركبي ."


 ضحى ركبت معاه وهي لسه حاسة بالارتباك، وطول الطريق كانوا بيتكلموا في مواضيع عادية، زين كان بيحاول يطمنها بهزاره المعتاد لحد ما العربية وقفت أخيراً قدام بوابة كليتها.


لسه ضحى بتلم حاجتها عشان تنزل، زين لف ليها وفاجأها بسؤال قطع نَفَسها: "ضحى.. تتجوزيني؟".

ليفل الصدمة عندها وصل لأقصاه، عينيها وسعت واتسمرت مكانها مش عارفة تنطق، لكن زين كمل بكل ثبات: "أنا مش عايزك تردي دلوقتي، هسيبلك وقتك تفكري براحتك.. ومعاكي لحد بكرة الصبح تردي عليا".


ضحى بصتله بذهول مضحك، ورفعت حاجبها وقالت بتهكم: "لا والله؟ وجاي على نفسك أوي كدة ليه؟ ما تخليها النهاردة بليل أحسن! ده أنت كريم أوي في الوقت الصراحة!".


زين ضحك بتمثيل متقن للتواضع، وسند ضهره لورا وقال: "اعمل إيه بقى، بحب أكون ديمقراطي وأدي فرصة للرأي الآخر بردو".

ضحى هزت راسها بيأس من بروده وثقته، ونزلت من العربية وهي مش عارفة تضحك ولا تستوعب اللي قاله.


أول ما ضحى نزلت من العربية، رنة موبايل زين قطعت سكون اللحظة. مسك الموبايل وفتح الرسالة، وفي ثانية ارتسمت على وشه ابتسامة شر ونصر وهو بيقرأ المحتوى؛ كانت ميادة بتبلغه إنها خلاص جهزت المبلغ المطلوب ومستنية يحدد لها المكان والزمان عشان تخلص من الكابوس ده.


زين ضحك بسخرية وهو بيبص لأثر ضحى اللي لسه داخلة الكلية، وقال في سره بنبرة كلها تهكم:

"جهزتيهم؟ ولا قصدك سرقتيهم يا ميادة هانم؟ يحيى كان عنده حق لما قال إنك هتبيعي اللي وراكي واللي قدامك عشان تداري فضيحتك."

مضيعش وقت، داس على رقم يحيى وكلمه فوراً عشان يتفقوا على الخطة .


_____________________________


الهدوء اللي كان لافف الجناح. عائشة كانت واقفة قدام المكتب، ماسكة موبايلها وإيدها بتترعش، وعمر واقف قدام البلكونة مديها ضهره، وكأن جبل من الجليد ات بنى بينهم في لحظة.


عائشة قطعت الصمت بصوت مخنوق بالدموع:

"يعني أنت ونزلت رحت السنتر عشان تراقبني يا عمر؟ للدرجة دي أنا صغيرة في نظرك؟ للدرجة دي مفيش ثقة؟"


عمر لف لها ببطء، ملامحه كانت جامدة ونظرة عينيه فيها حدة غريبة:

"الموضوع مش موضوع ثقة يا عائشة، الموضوع إني راجل.. ولما أشوف عيل مراهق باعت لمراتي رسايل، عايزاني أعمل إيه؟ أعمل نفسي مش واخد بالي عشان أبقى واثق فيكي؟"


عائشة قربت منه ودموعها نزلت:

"بس أنا مردتش عليه! أنا أصلاً معرفش هو جاب رقمي منين، أكيد من جروب الدرس.. أنت خوفتني منك يا عمر، نزلت من ورايا كأنك بتثبت عليا تهمة.. هل فرق السن اللي بينا هو اللي محسسك إنك لازم تراقبني؟"


عمر اتنرفز وقرب منها خطوة، وبص في عينيها بقوة:

"أيوه يا عائشة! فرق السن ده مخليني شايف إنك لسه بريئة، متعرفيش ذئاب البشر اللي بره .. أنا غيور يا عائشة، غيور لدرجة إني ممكن أحرق الدنيا لو حد فكر بس يلمح طيفك، مش ذنبي إن قلبي بيتحرك قبل عقلي لما الموضوع يخصك!"


عائشة بصت له بوجع وقالت بصوت واطي:

"الغيرة حب يا عمر، بس المراقبة إهانة.. أنت المفروض تكون سندي مش السجان بتاعي."


عمر لما شاف دموعها وسمع كلمتها الأخيرة، جبل الجليد اللي جواه بدأ ينهار. ملامحه هديت تماماً، وحس بوجع في قلبه إنه خلاها تعيط بسببه. اتنهد تنهيدة طويلة وسحبها لحضنه فجأة وبقوة.

عائشة حاولت تبعده بضعف وهي بتعيط، بس هو شدد على ضمتها ودفن وشه في رقبتها وهو بيقول بهمس دافي كله ندم:

"حقك عليا.. أنا أسف يا قلب عمر.. أنا فعلاً اتجننت، نار ولعت فيا لما شوفت صورته وشوفته باعتلك رسايل .. سامحيني، أنا بس بغير عليكي من الهوا الطاير."


عائشة بدأت تهدا في حضنه، ولفّت إيديها حوالين وسطه وهي بتمسح دموعها في قميصه:

"أنا ماليش غيرك يا عمر.. ومفيش حد في الدنيا يقدر ياخد مكاني في قلبك، ولا حد يملى عيني غيرك.. أنت عندي بالدنيا كلها."


عمر خرجها من حضنه شوية، ورفع وشها بإيديه وباس جبينها بوسة طويلة، وبعدين مسح دموعها بصباعه وهو بيبتسم ابتسامة رقيقة ذوبت كل الخلاف:

"خلاص بقى، مش عايز أشوف اللؤلؤ ده تاني.. وبعدين تعالي هنا، أنتي فاكرة إن الواد ده كان يقدر يقف قصادي أصلاً؟ ده يدوب شافني من بعيد ركبه خبطت في بعض."


عائشة ضحكت وسط دموعها: "يا مفترى! أنت أكيد رعبته بهيبتك دي."


عمر ضحك وشالها فجأة بخفة، واتجه بيها ناحية الكنبة الكبيرة اللي في نص الجناح وهو بيقول بمشاكسة ورومانسية:

"سيبك من السنتر ومن أحمد.. أنا عندي ليكي درس خصوصي في الرومانسية، مفيش أي مستر في مصر يقدر يديهولك غيري.. إيه رأيك؟"

عائشة خبت وشها في صدره بكسوف وهي بتضحك، والجو في الجناح اتحول من نار الغيرة لدفء الحب الصافي.


________________________________


ليلى كانت داخلة الصالون بخطوات هادية، ساندة إيدها على كتف الخدامة وهي لسه متقمصة دور العمى، عينيها مثبتة في فراغ وهمي وشاش صغير لسه ملفوف حوالين راسها .وشافت لينا قعدة وسرحانة. 


ليلى شاورت للخدامة تمشي، وقعدت جنب لينا ولمست إيدها بحنان:

"لينا؟ أنتي هنا يا حبيبتي؟"


لينا انتبهت لها وصوتها كان باين عليه الإرهاق:

"أيوه يا ليلى.. أنتي عاملة إيه النهاردة؟ الجرح لسه بيوجعك؟"


ليلى ابتسمت براحة: "أنا كويسة أوي يا لينا، الحمد لله.. بس قوليلي، ماله صوتك؟ وليه مروحتيش الشركة مع ريان النهاردة؟ مش عوايدك تسيبيه يروح لوحده."


لينا اتنهدت تنهيدة طويلة وسندت ضهرها لورا:

"فيه موضوع شاغل بالي أوي ومخليني مش عايزة أخرج ولا أقابل حد.. حاسة إني متلخبطة."


ليلى مالت عليها وقالت بهدوء: "أنا سمعاكي يا لينا.. احكيلي، يمكن لما نفكر سوا الموضوع يبان أبسط."


لينا بدأت تحكي بلهفة: "ريان يا ليلى.. ريان عايز الفرح يبقى الأسبوع الجاي! بيقول إن كل حاجة جاهزة وإنه مش عايز يأجل أكتر من كدة.. أنا اتصدمت، أسبوع ده وقت قليل أوي، مفيش قاعة ولا فستان ولا أي ترتيبات، وخايفة أكون بتسرع."


ليلى سكتت لحظة، كأنها بتوزن الكلام في عقلها، وبعدين سألتها سؤال مباشر:

"لينا.. أنتي بتحبي ريان؟ ومش قصدي الحب ككلمة أو مشاعر، قصدي هل أنتي حاسة إنك لو فضلتي مخطوبة له عشر سنين كمان، في الآخر برضه مش هتختاري غيره؟"


لينا ردت من غير تردد وبثقة ماليها الحب:

"أيوه طبعاً يا ليلى، ريان هو الراجل الوحيد اللي ملى عيني وقلبي.. أنا واثقة في مشاعري ناحيته مية في المية."


ليلى مسكت إيدها وضغطت عليها: "يبقى وافقي يا لينا.. متضيعيش وقت في حسابات مالهاش لزمة. حبكم قوي وهيتغلب على أي مشاكل، وبعدين إحنا بقالنا فترة كبيرة في حزن وتوتر في البيت ده، ومحتاجين بجد نفرح شوية.. ريان بيحبك وعايزك جنبه، والترتيبات دي يحيى وريان هيخلصوها في يوم واحد لو حبو."


لينا وشها نور وابتسمت بحب وحضنت ليلى بقوة:

" ليلى.. بجد كلامك ريحني أوي، أنا فعلاً بعتبرك أختي اللي مليش غيرها."


وهما في حضن بعض، ليلى لمحت بطرف عينها وهي بتمثل إنها مش شايفة حركة مريبة.. ميادة كانت نازلة من على السلم بسرعة، لابسة عباية سودة وشايلة شنطة كبيرة بإيد بتترعش، وملامحها كانت شاحبة زي الأموات.


لينا استغربت وقامت وقفت:

"ماما؟ أنتي خارجة؟"

ميادة اتنفضت مكانها وبصت للينا بتوتر وعصبية مبالغ فيها:

"وأنتي هتراقبيني ولا إيه؟ أنا أخرج في الوقت اللي يعجبني وأروح المكان اللي يريحني.. أنا مش ناقصة أسئلة وتحقيقات !"


وسابتهم ومشيت بخطوات سريعة ناحية الباب الخارجي. لينا بصت لأثرها باستغراب:

"غريبة.. ماما مبتحبش تخرج من القصر خالص!"


________________________________


ميادة كانت واقفة في المخزن المهجور على أطراف المدينة، الهواء البارد بيدخل من الشبابيك المكسورة ويخبط في وشها زي السكاكين، وهي عمالة تتلفت حواليها برعب وتعدل الإيشارب اللي على راسها عشان تداري ملامحها. الشنطة الجلد اللي فيها الفلوس كانت متبتة فيها لدرجة إن ضوافرها غرزت في الجلد من كتر التوتر. بصت في ساعتها وقالت بصوت مهزوز ومبحوح: "هو اتأخر كدة ليه؟ يا رب اخلص من الكابوس ده بقى وأرجع القصر قبل ما حد يحس".


فجأة، موبايلها رن صرخة رنينه خلتها تتنفض من مكانها. فتحت الخط وهي بتنهج بضعف: 

"ألو.. أنت فين؟ أنا في المكان اللي اتفقنا عليه، ومفيش صريخ بن يومين هنا".


يحيى، اللي كان قاعد في عربية المراقبة بعيد شوية، رد عليها بجهاز تغيير صوت خلاه غليظ ومرعب : "أنا داخل عليكي يا ميادة هانم.. جهزي الأمانة".


ميادة بدأت تبص حواليها بهستيرية، المكان كان خالي تماماً مفيش فيه غير كراكيب وتراب وعنكبوت. بس السكوت ده اتكسر فجأة بصوت دراجة نارية (مكنة) جاي من بعيد وبدأ يزيد "، لحد ما ظهر خيال شخص لابس أسود في أسود، وملثم مش باين منه غير عينيه اللي بتقدح شرار.


ميادة رجعت لورا بخطوات متعثرة وهي شايفة المكنة داخلة عليها بسرعة رهيبة ومش ناوية تقف. المكنة قربت أوي، والتراب عفر في وشها، وفاضل كام سنتي بس وتخبط فيها. وفجأة، الشخص الملثم اللي هو "زين"، مد إيده بمنتهى الخفة والاحترافية، خطف الشنطة من إيدها بقوة خلت كتفها يطقطق، وقبل ما يتحرك بعيد، لف بالمكنة "خمسة" في مكانها، ورفع إيده بكل برود وشاورلها باي باي بحركة مستفزة كأنه بيودعها الوداع الأخير، وطار بسرعة البرق وسط الغبار.


ميادة وقفت في نص المخزن مذهولة، وبعد ثواني استوعبت اللي حصل فانفجرت في الصراخ وهي بتلطم على وشها:

"لااااااا! يا ولاد الكل*ب.. يا حرامية! استنى عندك يا نصاب.. الفلووووس!"


وقعت على الأرض، والتراب ملى عبايتها السودة، وبدأت تسب وتلعن وفي اليوم اللي شافت فيه يحيى وليلى. كانت بتخبط بإيدها على الأرض بهستيرية وهي مش عارفة هتعمل إيه. الفلوس ضاعت، وهي دلوقتي تايهة وممعهاش مليم حتى يركبها ميكروباص يرجعها القصر.


__________________________________


بعد مرور تلات ساعات، انفتح باب القصر ببطء، ودخلت ميادة وهي في حالة يُرثى لها؛ عبايتها السودة متبهدلة من تراب المخزن المهجور، وشعرها اللي كان دايماً متصفف ومنمق بقى منكوش ومتمرد، والكحل سايح على وشها مع الدموع والعرق لحد ما وصل لخدودها. بصت حواليها بخوف، القصر كان ساكت تماما، فكرت إنها هتقدر تتسلل لأوضتها وتداري خيبتها، لكن بمجرد ما حطت رجلها على أول درجة في السلم، النور كله فجأة اشتعل وظهر الجد الكبير وهو واقف بوقاره المعتاد وساند على عصايته وراها، وقال بصوت هز جدران المكان:

"كنتي فين يا ميادة؟"


ميادة لفت بجسمها كله وهي بتترعش، واتصدمت لما شافت إن الصالون كله مليان بالعيلة؛ منال واقفة وقلقانة، لينا، عمر وعائشة واقفين جنب بعض، ويحيى ساند على الحيطة وباصص لها بنظرة غامضة، وجنبه ليلى اللي كانت مثبتة نظرها في الأرض.


ميادة حاولت تجمع شتات نفسها وقالت بصوت مهزوز:

"كـ.. كنت في مشوار يا بابا، حضرتك عمرك ما سألتني بروح فين ولا بجي منين.. أنا مش صغيرة!"


الجد خبط بعصايته على الأرض بغضب خلى الكل ينتفض:

"لأن فيه مصيبة حصلت في القصر ده.. ومحتاجكم كلكم تتجمعوا. اقعدي يا ميادة عشان يبقى كلامي للكل!"


ميادة قعدت بتعب، ورجلها كانت بتوجعها من مشوار المشي الطويل، والجد قعد بجمود وقال:

"أنا اتسرقت.. فيه مبلغ ضخم اختفى من خزنة مكتبي النهاردة الصبح، مبلغ مستحيل حد غريب يوصله."


منال شهقت وحطت إيدها على قلبها: "فلوس إيه يا بابا اللي اتسرقت؟ إحنا طول عمرنا عايشين في أمان، والخدامين اللي هنا معانا من سنين وعمرهم ما مدوا إيدهم على حاجة!"


عمر كمل باستغراب: "فعلاً يا جدي، طنط منال عندها حق.. مفيش حد غريب دخل القصر"


ميادة لما حست إن الجد لسه بيدور على الحرامي وميعرفوش، قررت تلعب آخر كارت عندها عشان تخلص من عائشة:

"الأمور واضحة يا بابا.. مفيش حد غريب بينا غير واحدة بس، دخلت القصر من كام شهر وإحنا منعرفش أصلها ولا فصلها!"


الكل سكت، والجد ضيق عينيه وقال بنبرة تخوف: "تقصدي مين يا ميادة؟"


ميادة قامت من مكانها ببطء، واتحركت لحد ما وقفت قصاد عائشة اللي كانت بتبص لها بذهول، وقالت بحدة:

"أقصد عائشة! واحدة جاية من بيت فقير وأبوها باعها لينا كأنها سلعة، طبيعي جداً تكون دي أخلاقها وتطمع في عز الصياد!"


عمر هنا اتجنن، وقف وعروق رقبته برزت من الغضب وصرخ:

"ماما! أنتي بتقولي إيه؟ أنتي واعية للكلام اللي بتقوليه ده؟"


عائشة ردت بوجع ودموعها نزلت: "حضرتك بتقولي إيه؟ أنا مخرجتش من الجناح طول اليوم أصلاً، وعمري ما دخلت مكتب جدي قبل كده!"


عمر مسكها من كتفها وحطها وراه بحماية وقال بلهجة حاسمة:


"عائشة، متبرريش يا عائشة.. أنتي مش محتاجة تبرري لأي حد. ولو هما أصروا على اتهامك ده، يبقى أنا وأنتي هنخرج من القصر ده حالاً، لأن كرامتك من كرامتي ، وأنا مش هسمح لأمي ولا لغيرها تهين مراتي."


ميادة ضحكت باستخفاف وهي شايفة صمت الجد وده عطاها ثقة أكبر تكمل كدبها :

"أنت ملكش ذنب يا عمر، حظك وقعك في واحدة حرامية.. بس يا حرام منظلمهاش، مليون جنيه مبلغ مغري برضه، بس يا ترى كنتي عايزة الفلوس دي في إيه؟ يمكن غلطتي مع شاب وبيهددك؟"


الجد وقف فجأة، وصوته كان هادي بس زي السكينة:

"وأنتي عرفتي منين يا ميادة إن المبلغ اللي اتسرق مليون جنيه بالظبط؟ أنا مقولتش قدام حد هو كام!"


ميادة وشها اصفر وبدأت تتهته: "أنا.. أنا بس بخمن يا بابا.. يعني ده رقم كبير فقلت أكيد..."


الجد سابها ومشي غاب ثواني ورجع وهو شايل في إيده الشنطة الجلد اللي زين خطفها منها، ورماها على التربيزة:

"الشنطة دي مبتفكركيش بحاجة يا ميادة؟"


ميادة عينيها جحظت بتوتر ورعب: "إيه.. إيه اللي جاب الشنطة دي هنا؟"


يحيى وقف وقرب منها وقال بسخرية: "إيه يا عمتي؟ هي مش الشنطة دي بتاعتك؟


ميادة وقعت على ركبها بانهيار: "بابا اسمعني.. أنا.. أنا والله.."


الجد صرخ فيها: "أنتي إيه؟ أنتي شيطانة! بتسرقي أبوكي؟ وياريت جت على السرقة وبس، ده أنتي كمان قتالة قتلة!"


عمر بصدمة: "أنت بتقول إيه يا جدي؟ قتل إيه؟"


الجد قعد بتعب وهو بيحاول ياخد نفسه، ويحيى سنده وقال: "خلاص يا جدي أنا هكمل..

اتنهد تنهيدة طويلة وكمل : الحقيقة إن عمتي، أخت أبويا، حاولت تقتل مراتي وابني ، هي اللي دلقت الزيت على السلم وهي اللي كانت عايزة تخلص من ليلى.. وأنا عرفت بالصدفة وكتمت الموضوع عشان خفت تأذيها تاني بعد ما ربنا رجع النور لعيون ليلى!"


الكل بص لليلى بصدمة، ليلى رفعت راسها بتوتر وبصتلهم بقلق، ومنال جريت عليها حضنتها وهي بتعيط: "حمد لله على سلامتك يا بنتي.. يا ألف نهار أبيض!"


الجد قام ووقف قدام ميادة اللي كانت منهارة، وفجأة صفعها قلم قوي خلى وشها يلف الناحية التانية:

"حسبي الله ونعم الوكيل فيكي! أنتي إيه؟ إيه الحقد اللي مالي قلبك ده؟ حتى وأنتي مكشوفه مُصرة تلبسي تهمتك لبنت غلبانة؟ أنتي مستخسرة فينا الفرحة؟ غوري من هنا.. مش عايز أشوف وشك لحد ما أموت!"


الجد كمل بجمود: "نص ساعة، تطلعي تلمي هدومك، هشتريلك شقة تعيشي فيها لوحدك زي الكلبة.. وده عقابك، إنك تعيشي منبوذة وتموتي لوحدك.. يلاااا غوري!"


ميادة قامت بسرعة وهي بتشهق، وطلعت أوضتها. وبعد نص ساعة، نزلت وهي شايلة شنطتها، وقفت قدام الجد اللي مديها ضهره: "بابا.. أنا همشي ومش هتشوف وشي تاني، بس أرجوك سامحني.. لو جرالي حاجة وأنت مش راضي عني هيبقى ده أكبر عقاب."


الجد مردش، فمشيت لعمر وعائشة بدموع ندم صادقة: "سامحني يا عمر.. أنا مكنتش أم كويسة، أنا اللي بوظت فطرتك، لولا إنك فوقت كنت هتبقى نسخة مني.. سامحيني يا عائشة، وخلي بالك منه."


عمر سابها وقعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه بكسرة. راحت للينا اللي كانت منهارة: "لينا.. سامحيني يا قلب ماما، سامحيني إني كنت بجبرك على حاجات عشان أنانيتي، أنتي تستاهلي أم أحسن مني."


وفي الآخر، وقفت قدام يحيى وليلى: "سامحوني.. أنا فقت متأخر أوي. سامحني يا يحيى على كرهي ليك، وسامحيني يا ليلى إني مكنتش عمة حنينه تعوضك عن غياب أبوكي."


بصت لمنال بكسرة: "سامحيني يا منال، كنت بغير منك عشان بابا بيفضلك عليا، ودلوقتي فهمت ليه كان بيحبك وبيفضلك عليا.. خلي بالك من ولادي، أنا عارفة إنك كنتي طول عمرك أم تانية ليهم"


خرجت ميادة من باب القصر وهي بتجر أذيال الخيبة والندم، وسابت وراها عيلة مجروحة بس أخيراً.. متحررة من شرها.


#رواية_عشق_يحيى

#الكاتبة_سلمي_جاد


طبعا انتو عارفين ان الحمدلله كده بنخلص الرواية ،وتقريبا ده هيكون الفصل قبل أو قبل قبل الأخير اتمني تفضلوا مستمتعين بروايه لأخر بارت وأفضل عند حسن ظنكم ..❤️


وأخيرا دمتم سالمين أحبابي وأشوفكم على خير الفصل الجاي 😙❤️


🍉Salma Gad 🖋️يتبع

رواية عشق يحيي الفصل الثلاثون 30

الرواية كامله من( هنا )

Mohamed ME
Mohamed ME
تعليقات