رواية بين الحب والانتقام عبر روايات الخلاصة بقلم نور الهادي
رواية بين الحب والانتقام الفصل السابع عشر 17
على الطريق، كانت منى ماشية جنب علي، ماسكة إيده.
الشارع مليان أضواء، عربيات بتتزاحم، أصوات، زحمة…
لكن هي كانت سايبة الدنيا كلها ومركزة بس في كف إيده.
علي شدها بهدوء ناحية الحيطة.
قال:
"نمشي جنب… الطريق خطر."
منى رفعت مناخيرها فجأة.
شمّت الهوا.
قالت بصوتها المكسور اللطيف:
"ب… بطاطا."
ابتسم علي.
سحبها ووقفوا عند الراجل.
طلب بطاطا ليهم الاتنين.
ولما الراجل إداله واحدة سخنة، علي فتحها، وحط على بتاعة منى عسل أسود.
منى مدّت إيدها تمسك…
واتلسعت.
علي خطف إيدها فورًا.
"استني!"
طلع منديل، ومسح كفها برفق.
مسك البطاطا بإيده هو، علشان متلسعهاش،
وكسر حتة صغيرة…
وقرّبها لفمها.
منى أكلت من إيده.
ابتسامتها طلعت فجأة، صافية، طفولية،
كأن الدنيا كلها بقت بطاطا بالعسل.
رفعت عينيها عليه وهي بتبتسم…
عند الكافيه،
كانت منى واقفة مكانها لوحدها، عدّى شاب من جنبها…
عينه علّقت عليها لحظة أطول من اللازم.
لكن فجأة،
فيه جسم وقف بينه وبينها.
ضلّ طويل،
كتفين عريضين.
علي.
الشاب أول ما شافه، لف وشه ومشي كأنه ما شافش حاجة.
علي قرب من منى وقال بهدوء:
"اتأخرت عليكي… الطابور كان طويل."
منى بصّت له وقالت كلمة واحدة:
"عصير."
ابتسم.
مدّ لها الكوباية.
قبل ما تاخدها،
مسكت إيده الأول…
وبعدين أخدت العصير.
خرجوا من المحل،
منى محتضنة دراعه،
كأنها ماسكة الأمان نفسه،
مش مجرد أخوها.
كانت بتشرب بالشاليموه،
وعينيها بتلف على الدنيا بانبهار.
الأضواء، الناس، الأصوات.
قالت فجأة، بابتسامة واسعة:
"منى فرحانة أوي."
ضحكت وفجأة،
منى شافت ست عجوز،
إيدها بترتعش وهي بتحاول تفتح ازازة مية.
سيبت دراع علي
وتحركت ناحيتها.
علي انتفض:
"مـنّــى!"
بس منى كانت قربت من الست،
مسكت الإزازة،
ضغطت عليها بإيدينها بكل قوتها الصغيرة.
الست كانت بتبصلها من مساعدتها.
علي وصل في ثانية،
شد منى من دراعها بعيد.
قال بحدة مخلوطة بخوف:
"إنتي بتعملي إيه؟!"
منى بصوت هادي وبريء:
"أنا بساعد…"
علي لمح إنها فتحت الإزازة ومدّاها للست.
هو اللي أخدها من إيدها بسرعة واداها للمرأة:
"اتفضلي."
الست ابتسمت:
"شكراً يا بنتي."
وبعدين رفعت عينها لعلي،
نظرة غريبة… عميقة…
وقالت:
"ملاك مع شيطان… مستحيل يجتمعوا."
علي وقف جزء من الثانية،
كأن الجملة خبطته في صدره.
ليه؟ ما يعرفش.
بس شدّ إيد منى ومشي.
قال بصرامة:
"ممنوع تجري، وممنوع تتعاملي مع أي حد غريب."
قالت منى وهي باصة ع الست:
"كانت محتاجة مساعدة."
رد بحدة مكبوتة:
"كل واحد يقدر يساعد نفسه."
منى هزّت راسها:
"المساعدة… يعني خير."
علي وقف فجأة وبص لها:
"لا. مفيش خير. كل واحد بيفكر في نفسه. والغريب يعني شر. حتى القريب... أنا وانتى بس الى نثق ف بعض
إنتي شوفتِ الماس بعينك،أنا شايفهم على حقيقتهم.بعينى انا"
منى بصّت له،
عيونها مليانة أسئلة.
قال:
"اللي عملتيه غلط. قولتلك كل غريب خطر. متكلميش حد."
منى رفعت عينها ليه،وبكل بساطة قالت:
"أنا مش خايفة…"
وبإيدها الناعمه قالت"إنت موجود.مفيش خطر."
كانت جملتها الصادقة دخلت قلب علي زي سهم دافي.
تنهد، ومسح بإيده على شعرها:
"أنا موجود جنبك دايمًا… مش هسمح خطر يقرب منك.
بس متجريش إنتي ناحيته."
منى ما فهمتش قوي،
بس هزّت راسها بطاعة،
زي عادتها دايمًا بعد نصايحه.
هكذا كان علي، وهكذا كانت منى... شقيقته الكبرى.
هي الأكبر سنًا، لكنه كان الأعقل دائمًا، والوليّ الناهي في حياتها. لم يكن ذلك بسبب وفاة والديهما — اللذين بالكاد يتذكران ملامحهما — بل لأن كلاً منهما شعر دائمًا أن الآخر هو عائلته الحقيقية.
منذ طفولتهما وهما يعيشان في بيت جدتهما، وكان علي يحمي منى كأنها روحه.
يتذكر جيدًا ذلك اليوم... يوم خرجت منى إلى السوق وحدها.
سمع صوت ضحكات غريبة، اقترب بخطوات سريعة، فرأى مجموعة أولاد يحيطون بها.
قال أحدهم بسخرية:
– "دي مختلّة! مش شايف؟"
رد التانة وهو يضحك:
– "بس جميلة... تصدق؟ الحلو عمره ما بيكمل!"
وقتها، التقطت منى طماطمًا من عربة البائع المجاورة، وقذفتها بقوة في وجهه.
تجمّد الولد لحظة، ثم احمرّ وجهه غضبًا وقال بغلظة:
– "يا بنت الـ..."
لكن قبل أن يُكمل الكلمة،
ظهر علي أمامهم فجأة.
كان وجهه ثابتًا، لكن عينيه تشع نارًا.
في لحظة، اندفع نحو الولد، وضربه بعنف غير متوقع.
حاول الآخرون التدخل، لكن علي لم يكن طفلًا عاديًا.
كانت ضرباته سريعة، قاسية، مليئة بالغضب المكبوت.
لم يتوقف برغم خوف اخته الكبرى، كان كأن شيء بداخله انفجر.
يضربهم بلا رحمة، حتى تجمع الناس وفضّوا بينهم.
ولو لم يتدخل أحد...
ما كان علي سيتوقف.
من يومها، صار الناس يعرفون:
منى عندها أخ... محدش يقرّب منها.
كان علي لسه فاكر اليوم ده كويس… اليوم اللي الوِلاد دول دخلوا فيه المستشفى بسببه. أهاليهم اشتكوه، وكانوا هيرفعوا عليه قضية، بس ستّه اتدخّلت في آخر لحظة. راحتلهم بعينين كلها خوف عليه، وفضّلت تعتذر وتقول كلام يرقّق القلوب… وهي ست كبيرة ومُوقَّرة، فكسفوا منها وسامحوا واكتفوا بكلامها.
بس علي؟ حتى الاعتذار ده هو نفسه ما قبلهوش.
كان واقف قدّامهم بعِند مايلقّش، ومصمّم إنه مش هيعتذر… ولو قابلهم تاني هيديهم نفس الضرب، أصلهم غلطوا في أخته. ساعتها الناس كلها قالت عليه مجنون… شيطاني… وستّه هي اللي وِقِعت في وشّهم اتحمّلت الزعيق واللوم، وهو واقف ولا كإنه عمل حاجة.
لحد ما رجعت البيت… وقعدت معاه.
كانت متعصّبة عليه بطريقة عمره ما شافها منها، وفضلت تلومه وتوبّخه:
"ليه عملت كده يا علي؟!… غلطان ومش عايز تعتذر! أنا علمتك كده؟
عارف لو كنت عملّت لحد فيهم عاهة كنت هتبقى فين؟ في السجــن!
فاهم يعني إيه السجن؟ يعني مفيش مستقبل… مفيش حياة أصلًا!"
ردّ علي وهو واقف قدّامها بنبرة واضحة وحادّة:
"مستعد أقعد في السجن… لو ده فِ حماية منى."
بصّت له ستّه بغيظ ما قدرتش تخبّيه وقالت بعصبيّة:
"منى أكتر واحدة اتضرّت بسببك!
إنت لو جرالك حاجة… هي اللي هتتبهدل وتبقى لوحدها.
افهــم!
أنا رجلي والقبر… يعني الخناقات والمشاكل دي تبعد عنها.
وخليك فـ حالك يا علي، إحنا مش ناقصين!
حافظ على نفسك… وعلى أختك.
ولو فعلاً بتحبها… متحطّش نفسك ف الهلاك وتضيعنا كلنا."
كلامها كان تقيل… وتقريبًا حطّت اللوم كله على كتافه.
خصوصًا إن هي اللي شالت جزء كبير من مصاريف علاج الولاد اللي ضربهم…
وده كان كاسرها قوي.
وبعد شوية… وهو قاعد لوحده في الصالة، سرحان ومخنوق، سمع صوت حركة.
قام وخرج يشوف إيه… لقى منى واقفة قدّامه في الضلمة.
قال "منمتيش ليه؟"
ردّت منى بصوت هادي ومكسور:
"مش عارفه…"
قال بقلق واضح:"مالك يا منى؟"
رفعت إيدها على وشه تلمس الكدمة السودة اللي باينة من الضرب.
قالت"ع…لي… موجوع."
هزّ راسه بسرعة ونفى:
"مش بيوجعني… أنا كويس.
قولي بقى… مالك؟"
ما ردّتش.
لفّت بوشها ناحية المرآية… وفضلت تبصلها بطريقة غريبة، نظرة أعماقها مش شبهها أبداً.
علي اتفاجئ… منى عمرها ما كانت بتغوص في المرايات كده.
ردّت بصوت منخفض:
"أنا… مِج…نونه."
علي اتسمر مكانه من الكلمة اللي خرجت منها.
قرب خطوة وبصلها باستغراب أكبر:
"إنتي بتقولي إيه؟"
لفّت له وقالت:
"يعني إيه… مجنوووونه؟"
قرب منها أكتر وهو بيقول بحدة حنونة:
"متقوليش على نفسك كده يا منى."
منى قال" ليه، حاجه وحشه؟"
تنهد علي وساب كل عناده وبروده.
مسك إيدها بحنان وقال:
"إنتي أعقل واحدة في البيت ده…
إنتي أختي الكبيرة…
هما اللي مجانين، مش إنتي."
منى لأول مرة بتسأل بجد: ليه بيقولوا إني مجنونة؟"
علي وشه اتشد، والغضب ولّع فيه في لحظة:
"مين قال؟! مين قال الكلمة دي؟!"
رجعت خطوة لورا بخوف بسيط من نبرته، بس ما بعدتش إيدها عنه.
كان باين في علي الطفل اللي جواه… والولد المتهور اللي يقدر يعمل ألف حماقة لو اتقال على أخته كلمة تضايقها.
مسك إيدها الاتنين المرة دي… وضغط عليها بجدية ما فيهاش ولا ذرة لعب:
"اسمعيني يا منى…
إنتي أجمل أخت… وأطيب قلب…
مفيكيش حاجة.
العيب مش فيكي…
العيب في عيونهم هما.
هما المرض… مش إنتي."
رفعت عينيها له بابتسامة صغيرة وربتت على راسه… نفس الحركة اللي دايمًا كانت تعملها وهي بتطمنه،
زي أم بتهدي ابنها.
وقالت "ان…ت قو…ي أوي."
الكلمة وقعت جواه زي دوا.
علي نسي كل زعله… نسي غضبه… نسي كل حاجة.
بس مجرد إنه يشوفها مبتسمة، كان كفاية يمسح من عقله أي ذنب أو لوم.
كبر علي… بقى راجل، مسؤول،
اتطوّل، واتقْوَى، وبقى أشد حذر… بس كل ده مش عشانه،
عشانها هي.
منى… اللي بتخاف عليه زي ما هو بيخاف عليها بالظبط.
كل واحد فيهم شايل التاني في قلبه.
في يوم…
علي كان خارج رايح شغله بالليل كعادته.
ومنّى واقفة عند الباب تودّعه،
شاف واحدة ست بتحدّف كيس الزبالة في السلة العامة.
لمّا شافته، ابتسمت وقالت:
"إزيك يا ابني"إزيك يا منى؟"
منى أول ما شافت الست ابتسمت وقالت:
"طنط رواية."
رواية قربت عليهم وسلمت عليهم هما الاتنين بابتسامة واسعة:
"إزيكم يا حبيبتى؟ عاملين إيه؟
إحنا مش بنشوفكم غير بالليل كده."
ردّ عليها علي وهو بيقف جنب أخته:
"عشان الشغل… ومنى بتكون نايمة لحد ما أرجع."
رواية هزّت راسها وقالت بمنتهى الطيبة:
"مافيش مانع يا علي تسيب الباب سايب شوية…
عشان لو منى عايزة حاجة تعرف توصلها.
قفل الباب غلط بردو يا ابني."
سكت علي لحظة، وبصّ لمنى وبعدين قال بهدوء:
"أنا مش بقفل الباب…
بس منى محرج عليها متخرجش."
رواية ضحكت بخفة:
"خلاص يا سيدي، كويس كده.
أنا هعدّي عليها الصبح… نفطر سوا،
وأشوفها عايزة حاجة ولا لأ،
وهمشي على طول."
منى ابتسمت بخجل بسيط وأوْمَت براسها إيجابًا.
رواية ردّت بابتسامة حنونة:
"أشوفكم على خير يا ولاد."
ومشيت.
علي بص لاخته قال:
"خلي بالك من نفسك…
ولو حد ضايقك، هتلاقي بخاخة الشطة واللمون في مكانهم."
منى "مع السلامة يا علي."
ابتسم علي وودّعها… ونزل يكمل طريقه.
لكنه في نص السكة وقف مرة واحدة وقال بضيق:
"التليفون…!"
نسي تليفونه لف يرجع سمع صوت خبط، همس، وصوت رجل بيتوجّع.
رفع عينه…
ولقى شابين ماسكين واحد بالبُرم، واحد منهم رافع عليه آلة حادة،
والتاني بيقلبه وياخد منه كل حاجة… فلوسه، محفظته، وحتى الساعة اللي في إيده.
قبل ما يستوعب اللي بيشوفه…
سمع صوت خفيف جه من وراه:
"علـي…"
اتجمد.
الصوت ده هو آخر صوت كان يتوقع يسمعه هنا.
لف بسرعة…
لقى منى واقفة على أول الشارع،
عينها مثبتة على الراجل اللي بيتسرق… مش عليه هو.
قرب منها في ثانية وقال بتوتر:
"منى؟! إيه اللي خرجِك؟!"
ما ردّتش.
كانت واقفة، عينيها واسعة، مليانة خوف…
بس مش خوف على نفسها.
خوف على الراجل اللي كان بيترجاهم وهو بيعيّط.
دموعه نازلة وهو بيقول:
"خدوا كل حاجة… بس سيبوني… بالله عليكم…"
ويبدو إن المشهد ده خلّى حاجة جوا منى تتحرك.
علي مسك إيدها بسرعة وقال بحدة:
"يلا… امشي."
لكن منى قالت بجملة قصيرة، ضعيفة… بس وراها إصرار غريب:
"محتاج… مساعدة."
علي بصّ لها بصدمة.
شدّها من إيدها وقال "ملناش دعوة!"
راحت بخطوة ناحية الرجالة.
علي مسكها من دراعها
قالت منى بين الخوف والطيبة:
"شخص… محتاج مساعدة."
علي وهو بيشدها بعيد:
"امشي! بلاش يسيبوه ويجولنا!"
رجعت تبصل الراجل قالت"بس… ده—"
قاطعها علي بعصبية "امشي يا منى!
ملناش دعوة بحد!"
خدها فورا بعيد للبيت بس وقتها…
منى بَصِّت له نظرة قصّرت نَفَس علي.
قالت"إنت… شرير."
سابته ومشيت وتليفونه وقع من إيدها على الأرض فهم على
إنها خرجت وراه عشان تدي له التليفون اللي نسيه.
كانت ماشيه بعيد عنه
لما وصلو للبيت…
وقف قدامها وقال بنبرة جدّية:
"منى… متخرجيش في الوقت ده تاني.
حتى لو نسيت فلوسي…
متخرجيش.
أنا هرجع أجيبها.
تمام يا منى؟"
ما ردّتش.
ولا حتى هزّت راسها.
دخلت البيت وسابت الباب يتقفل وراها من غير كلمة واحدة.
منى مكلمتهوش تانى كأنه خذلها أو خلاها تتورط معاه فى قسوتهد قلبها نقى لدرجة إنها انبت نفسها وشيفاه شرير وهى كمان
في يوم…
كان راجع من برا،
أول ما فتح الباب…
شمّ ريحة أكل جاية من المطبخ.
اتوتر.
راح بسرعة وقال بصوت عالي شوية:
"منى؟!"
وقف أول ما شاف رواية واقفة في المطبخ،
بصّت له وقالت بابتسامة خفيفة:
"حمدلله ع السلامة يا ابني… خوّفتك؟"
ردّ بسرعة وهو ملهوف يشوف أخته:
"منى فيــن؟"
راويه "برا."
خرج علي لقى منى واقفة في الصالة،
بتنظم الأكل اللي على الترابيزة.
لما شافته…ابتسمت قالت "مـِنى… حضرت الفطار."
علي وقف مكانه.
الدهشة مسكاه.
هي… نسيت زعلها منه؟
خرجت راويه قالت"عايزه مني حاجة يا بنتي؟"
قال علي "مقصدش حاجه بس حضرتك هنا ليه؟"
رواية "قولت لمِنى تيجي تفطر معايا…بس هي قالتلي لأ،وقالت عايزة تفطر مع أخوها."
منى قالتلها"خليكي…"
قال على"خليكي افطري معاها.إنتي اللي عاملة الأكل.ميصحش"
رواية قالت:"لأ… دي أختك اللي عاملاه عقبال ما تعمل لجوزها،وبعدين أنا كان نفسي أشارككم،بس الحج جمال في البيت…وبلاش يفطر لوحده."
ربّتت على كتف منى بحنان وقالت:
"سلام يا بنتي."
وسابتهم وخرجت.
بص على لاخته الكبرى قال"إنتي اللي عملتي الفطار ده؟"
منى هزّت راسها بابتسامة فخورة.
مهوّش فطار كبير…
جبن، لانشون، بيض مسلوق، سلطه مقطعة بعناية.
بس هي كانت فخورة…
وكأنها طبخت وليمة.
أشارت له يقعد.
ولما قعد…
مدّت إيدها بسندوتش عملته مخصوص له.
ولما علي بصّ لها وهي بتقدمه له…
حسّ بإحساس غريب،
إحساس دافي وناعم…
كأنها أم مش مجرد أخته.
برغم كل شيء…
الأنثى عمرها ما تنسى طبعها.
حنينها.
أمومتها اللي بتظهر بدون قصد.
علي كل من إيدها،
وقلبه فرحان…
حاسس إن منى بتكبر قدّامه،
وإنها محتاجة بيت… وعيلة…
وإنها ست كاملة من غير ما تحس.
افتكر نفسه وهما صغيرين…
كانت أطول منه.
دلوقتي هو اللي فاقها طول وقوة…
بقى راجل وشابّ يافع.
سألها علي بصوت هادي وهو بيبص في عينيها:
"مش… زعلانة منّي؟"
صمتت منى لحظة، وكأن حاجة فجأة فكّرِتها، وبصّت له ببغض خفيف وقالت:
"زعلانة؟! ."
على "منى… انتي مش هتفهمي وجهة نظري."
هزّت راسها بعناد طفولي:
"انت مش شرير… صح؟"
بصّ لها باستغراب ممزوج بوجع، لكنها كملت:
"على طيب… بيساعد الناس…"
قاطعها بسرعة:
"منى بطّلي الكلام ده."
الجملة دي خلت قلبه يدق فجأة، كأنه حد لمس جرح جواه.
قال بنبرة ضعيفة:
"منى…"
قالت منى من غير ما تبُصّله:
"انت مش شرير."
هزّ راسه وقال بجدية:
"مش شرير… ولا هكون."
ابتسمت منى ابتسامة صافية، وكأنها صدّقت الكلمة من قلبها.
هي عارفة إنه طيب… زيه. ونسيت كل اللي كان مضايقها.
بعد فترة — السوبر ماركت
كان على قاعد لوحده عند الكاشير متأخر
فجأة الباب اتفتح بسرعة، ودخل شاب قال
"انت على؟"
على "أيوه… ؟"
قال الشاب "حج إسماعيل عمل حادثة… ونقلوه المستشفى."
على اتصدم، "حادثة إييييه؟!"
رد الشاب بسرعة:
"المخزن وقع عليه… كان بيرص بضاعة… الخشب والصناديق التقيلة وقعت فوقه."
قال علي "هو كويس؟!"
الشاب "معرفش والله… أنا كنت من الناس اللي شالوه للإسعاف، ومحدش قالّي تفاصيل. بس قالولي أبلّغ شاب اسمه علي ماسك المحل."
ومشي الشاب قفل على المحل وخرج بسرعه لبيته
أول ما رن الجرس، فتحت له منى بابتسامتها المعهودة…
بس علي ما قدرش حتى يبتسم. كان شكله قافل وقلقان.
قال بسرعة:
"منى… أنا جيت أطمن عليكي… ورايح مشوار تاني."
بصّت له باستغراب، ولسه بيحاول يمشي…
مسكت إيده بخوف وقالت:
"علي؟!"
بصّ لها، ومسَك وشها بين كفّيه وقال "حصل ضرر لإسماعيل… صاحب المحل. الراجل ده كويس قوي معانا يا منى… لازم أروح أطمن عليه.مش هتأخر. ادخلي… واستنيني. وأنا جاي."
أومأت له بطاعة، ودخلت وقفلت الباب وراه بسرعة…
مش عشان تخاف، لكن عشان ما يزعلش منها لو فضلت واقفة تبصّ عليه وهو ماشي.
علي راح على المستشفى بخطوات سريعة، دخل أوضة إسماعيل لقاه متجبّس وإيده مربوطة، ووشه باين عليه التعب.
على قال
"ألف سلامة عليك يا أستاذ إسماعيل."
إسماعيل "الله يسلمك يا علي يا ابني… إنت سيبت المحل وجيت؟"
على قال"قفلته… وجيت أطمن عليك. ماينفعش أسيبك كده."
تنهد إسماعيل وقال:
"الحمدلله… أنا بس زعلان ع اللي جاي."
علي باستغراب:"اللي جاي؟ إيه اللي جاي؟"
قال إسماعيل وهو باين عليه القلق:
"فيه بضاعة كبيرة جاية من المصنع… ولازم تتستلم. وأنا كده مش هقدر أروح. والبضاعة دي مهمة جدًا."
قال علي:
"طب ما حد يستلمها غيرك؟"
رد إسماعيل بإحباط:
"حمدي… ابني… في محافظة بعيدة خالص عن المكان. ومفيش حد أقدر أعتمد عليه."
سكت لحظة، وبصّ لعلي مباشرة وقال:
"ممكن… تستلمها إنت يا علي؟"
وسع علي عينه وقال بدهشة:
"أنا؟"
قال إسماعيل بهدوء وثقة:
"يا ابني… أنا بعتمد عليك في حاجات كتير. وهعتمد عليك في دي كمان."
علي بلع ريقه، وقال بنبرة مترددة:
"إنت عارف ظروفي… مقدّرش أخرج برا المدينة."
رد إسماعيل:
"هي يومين أو ٣أيام بس… مش هتتأخر كتير."
سكت علي…
وعلامات الاعتراض واضحة في وشه ومتوتر… منى لو عرفت إنه هيسافر هتزعل، وهو نفسه مش مطمّن.
إسماعيل لاحظ تردده وقال بلطف:
"وبردو… أنا مش هضغط عليك يا علي. لو ماتقدرش… خلاص."
رجع علي البيت وهو مرهق وتعبان من التفكير.
فتح الباب بهدوء…
ولقى منى نايمة على الكنبة، ملفوفة في الغطا، ووشها هادي كالملاك.
ابتسامة صغيرة طلعت منه غصب عنه… هي أكتر حاجة بيحس معاها بالأمان.
دخل المطبخ زي عادته.
علي بيعرف يطبخ كويس، مش صدفة… اتعلم من جدته أيام ما كانت تعبانة، وكان لازم يساعدها عشان ما تتضايقش منه ولا من منى.
خصوصًا إن منى كانت كل مرة تدخل المطبخ يا إما تتجرح… يا إما تكسر حاجة.
فكبر علي وهو شايل البيت من غير ما يحس.
بدأ يسخّن الأكل ويحضر طبقين.
في لحظة… صوت هادي ومرعوب نادى عليه:
"عـ… علي."
اتلفت بسرعة.
لقى منى واقفة على باب المطبخ… شعرها مبعثر… ووشها شاحب… وعيونها واسعة.
قال وهو بيشيل الأطباق بسرعة:
"عملت دوشة وصحّيتِك… معلش."
لكنها ما ردتش.
كانت واقفة ثابتة… ملامحها غريبة، صامتة… كأن روحها مش معاها.
قرب منها علي وقال بقلق:
"مالك يا منى؟"
همست بصوت مكسور:
"ح… حلم… وحِش… علي… علي كان بيعيّط."
سكت علي.
عينه اتسعت، واستوعب اللي قالته.
هو بالنسبالها مصدر القوة… فكرة إنها تشوفه بيعيط حتى في الحلم كسراها.
ابتسم ابتسامة صغيرة عشان يطمنها وقال بخفة:
"ده كابوس يا منى… انتي عارفة إن علي مش بيعيّط."
سكتت…
نزل علي خطوة لقدام…
رفع إيده ولمس خدها بلطف… دفى صوته كان مختلف:
"الدموع للضعاف… وأخوك قوي. زيّك."
منى بصت له…
لكنها ما بكتش.
منى ما تعرفش تعيط… وكأن المشاعر عندها بتتخزن جواها وتتدفن، بس ما تنزلش دمعة واحدة.
كانت حاسة ده نقص… حاجة ناقصة في تكوينها.
وهو الوحيد اللي كان فاهم ده… وفاهم إنها بتتوجع بصمت.
قربها منه بهدوء وقال:
"تعالي… اقعدي… أنا هنا."
من زمان… من قبل حتى ما يفهم الدنيا،
وعلي بيقول لمنى إن عدم بكاها قوة… مش نقص.
إن هدوءها مش برود…
وإن خوفها مش ضعف…
وإن كل حاجة فيها يقدر يحولها لحاجه مميزة.
كان طول الوقت بيزرع فيها ثقة… يحسّسها إنها مش مجرد أخته.
منى كانت حياته كلها… الحتّة اللي لو وقعت، هو نفسه يقع.
وهما بيتعشّوا سوا…
منى قاعدة قدّامه، مركّزة في الساندوتش بتاعها، مبتسمة بالبساطة اللي بيحبها.
وعلي كان سرحان… كلام إسماعيل واقف في دماغه زي الحمل.
التليفون رن.
بصّ… رقم إسماعيل.
تنهد… وقفله.
عارف إن لو رفض يروح يا يستلم البضاعة… هيتقال عليه مقصّر، وممكن يخسر شغله.
وهو مش ناقص… خصوصًا إن الشغل ده ستره وسترة منى.
لقى الجرس بيرن.
منى قامت فورًا، بس علي أشار لها بإيده بعقدة حواجب وقال:
"كمّلي أكلك… أنا هفتح."
قعدت بهدوء، مطيعة كالعادة.
راح يفتح الباب…
ولما فتح، لقى طنط راويه واقفة…
وفي إيدها طبق كبير متغطّي بفوطة صغيرة.
ابتسمت أول ما شافته وقالت:
"إزيك يا بني… عارفة إن ده وقت نومكم، بس قولت أعدّي."
قال علي وهو بيزيح نفسه عشان ماتحسش إنه متضايق:
"عادي يا طنط، خير؟"
رفعت الطبق وقالت بابتسامة أم:
"ده رز بلبن… منى قالتلي إنها بتحبه.
عملته… وقولت أبعتهولكم."
عين علي راحت غصب عنه على منى…
كانت قاعدة على الطرابيزة… ممسكة معلقة، وسامعة كلام راويه…
وابتسامة خفيفة جدًا ظهرت على خدها.
راويه كامِلة كلامها:
"دي بنت طيبة… ونفسي أشوفها مبسوطة على طول."
علي أخد الطبق وقال بهدوء واحترام:
"تسلمي يا طنط… منى هتنبسط."
هزّت راسها، وقالت:
"لو احتجتوا حاجة… أنا هنا. تصبحوا على خير."
قفّل الباب…
رجع لعند منى، حطّ الطبق قدّامها وهو بيضحك بخفّة:
"هو إحنا مشهورين ولا إيه؟"
منى بصّت للطبق…
وبعدين بصّت له…
وبصوت هادي قوي قالت:
"عملت رز بلبن… عشاني."
قعد علي قدّامها وقال:
"وليه لا؟ انتي تستاهلي."
لكن ملامحها ما كانتش فرحانة وبس…
كانت فيها حاجة تانية… قلق… تعلق… خوف… حاجة مش مفهومة.
لما بصّ علي وراه…
لقى منى واقفة عند باب الصالة، مبتسمة ابتسامة صغيرة… هادية… بريئة.
ابتسم لها علي وهو بياخد طبق الرز بلبن من راويه وقال لها:
"شُكراً… مش عارف أقولك إيه."
ردّت راويه بلطافتها المعهودة:
"ولا أي حاجة… إحنا جيران يا بني."
بدأت تمشي، لكن علي بصّ لها فجأة وقال بصوت منخفض، فيه توتر خفيف:
"لو سمحتي… ممكن تخلي بالك من منى في غيابي؟"
وقفت مكانها… التفتت له باستغراب ناعم:
"أنت خارج؟"
قال علي بوضوح:
"مسافر."
شهقت راويه بخوف تلقائي:
"مسافر؟!"
رفع إيده بسرعة يهدّيها:
"مش برّه البلد… رايح مدينة تانية بس.
صاحب الشغل تعبان… وفيه بضاعة لازم تتستلم.
هاخلصها وهرجع فوراً."
بصّتله راويه بقلق أم…
اللي رافعة طفل منى في عينها أكتر من سنها:
"طب ليه ماسيبهاش معاك؟"
تنفس علي ببطء، عينه راحت على منى اللي واقفة وبتسمع كل كلمة:
"مش هينفع… الطريق طويل ومرهق، وأنا مش ضامن الظروف.
مش عايز أبهدلها وتلف معايا في عربيات وطرق ومخازن.
هتتعب… ومش هتبقى مرتاحة."
سكت لحظة… وبصّ لراويه بجدّية:
"أنا عارف إن منى بتعرف تتصرف كويس…
بس برضو هي صغيرة… وبخاف عليها.
أنا طالب منك تطمني عليها… وتطمنيني عليها.
دي أمانة… ومش هتقول على حضرتك ولا على عم جمال."
راويه بصّت لمنى…
ومنها لعلي…
وشافت في عينين الاثنين رابط غريب…
خوف… حنان… واعتماد كامل.
ابتسمت بهدوء الأم اللي واخدة قرار:
"حاضر يا بني… هطمنك عليها.
ومتقلقش… دي بنتي زي بنتي.
بس…"
رفعت حاجبها بحزم لطيف:
"متتأخرش…
مش علشانّا…
علشانها هي."
أومأ علي بتفهم… صدره اتحرك بنَفَس تقيل:
"شكراً…"
خرجت راويه…
وباب الشقة اتقفل وراها.
بصّ علي لمنى…
لقى وشها هادي… بس مش فرحان.
في قلق مستخبي…
وخوف من كلمة مسافر.
حسّ قلبه يتقبض…
عارف إن اللي جاي مش هيعدي عليها بسهولة.
مشيت راويه…
وعلي دخل يقابل منى.
كانت واقفة في نص الصالة…
عينيها على الباب اللي اتقفل…
ولما شافته، ما اتحركتش… بس نظرتها كانت متعلقة بيه، كأنها بتحاول تفهم حاجة من وشه.
راح علي وحط طبق الرز بلبن على الترابيزة وقال بنبرة خفيفة يخبي بيها توتره:
"مقلتيش ليه إنك عايزة رز بلبن؟"
ردّت منى ببساطتها اللي شبه طفلة وامرأة في نفس الوقت:
"طنط راويه بتعمله حلو."
قعدت على الكرسي…
وسابت الأكل اللي كانت بتحبه، ومسكت المعلقة وبدأت تاكل من الرز بلبن زي ما الطفل بيمسك حاجة أمان.
وبعد لحظات…
افتكرت علي.
رفعت إيدها بالمعلقة علشان تأكله…
لكن علي مسك إيديها ومنعها بلطف:
"مش عايز… كُلي انتي."
سحبت إيدها بهدوء…
وبدت عليها ملامح قلق، وقالت بصوت منخفض قوي:
"علي… زعلان؟"
قرب منها…
قعد جنبها…
وقال بصوت هادي مليان طيبة:
"أنا أقدر أعتمد عليكي… وأغيب يومين ونص… بس كده بالظبط."
بصّتله منى بعينيها اللي فيها خوف وحاجة مش مفهومة:
"علي… هتخلي بالك من نفسك؟
وهتبعد عن أي حاجة خطر؟"
قالها وهو بيحاول يطمنها:
"مفهوم."
سكتت لحظة…
وبعدين سألت السؤال اللي كانت مخبيّاه:
"علي… رايح فين؟"
تنهد وقال بوضوح:
"شغل… لعم إسماعيل.
ومش هتأخر."
لكن منى هزت راسها ببطء…
عينها نزلت للأرض…
وبعدين رفعتها عليه وقالت بجملة كسرت قلبه:
"علي… هيبعد عن منى؟
الحِلم…"
اتصدم علي…
قرب منها بسرعة:
"منى؟ حلم إيه؟"
نفت ببطء وقالت بصوت راجف:
"هتسيب منى… الحلم حقيقة."
ساعتها مسك علي إيدها…
وبعدين مسك وشها بين كفوفه…
قربها منه لدرجة تشوف نبض خوفه:
"منى… حلم إيه اللي حقيقة؟
أنا؟
أنا مش همشي واسيبك."
صوته كان بيتكسر وهو بيقول:
"أنا لو بعدت عنك… أموت."
رفع وشها بإيده وهو بيكمل:
"انتي أختي…
أنتي عيلتي…
أنتي حياتي.
من غيرك… علي مالوش معنى."
حط جبهته على جبهتها…
"أنا وانتي روح واحدة…
لو واحد فينا ساب التاني…
التاني لازم ينتهي."
كانت منى بتتنفس بصعوبة…
مش من خوف…
من تعلق كامل…
حب أخت لأخوها اللي شايفاه دنيا كاملة.
سكتت منى، فبصّ لها علي وقال بنبرة هادية:
"ها… هتخلّيني أمشي وأعتمد عليكي ولا لأ؟ متقلقيش… راوية هتطمن عليكي، ولو احتجتي أي حاجة قولي لها."
قالت منى بابتسامة بسيطة:
"مش هتتأخر."
بصّ علي في ساعته وقال بنبرة واقفة:
"اتنين وسبعين ساعة… وهكون قدامك."
هزّت راسها بابتسامة أوسع وقالت:
"وعد."
أومأ لها علي بنفس الجدية:
"وعد."
تاني يوم… ساب علي البيت بعد ما اتفق مع إسماعيل ونسّق له تاكسي ياخده لحد المصنع، وشكره كتير إنه ساعده.
وبرغم إن علي كان مضغوط… يمكن عشان دي أوّل مرة يبعد عن منى كده كام يوم، بس نظرتها وهى بتودّعه كانت أهدى منه… بتبتسم كأنه خارج شغله عادي مش مسافر، وكأنها واثقة في كلامه ومش خايفة يغيب.
وقف قبل ما يمشي وبصّ لها بقلق خفيف وقال:
"منى…"
ومسك إيديها وقال:
"يومين بس… يومين."
ابتسمت منى وأومأت له بتفاهم، وطلعت من إيدها مصحف صغير وسلمته لعلي.
بصلها باستغراب، فقالت له بهدوء:
"ف أمان."
ابتسم علي وهو بياخده، فقالت منى:
"وراوِيَه ترجع بالسلامة."
ردّ عليها علي:
"الله يسلمك."
وقرّب منها وباس راس أخته الكبيرة… ومكانش فاهم ليه الوداع كان حار قوي كده، وكأنه هيسيبها فترة طويلة أو مش هيشوفها قريب.
ركب التاكسي ومشي، وحط المصحف في شنطته.
بعد سبع ساعات على الطريق، وصل علي.
الليل كان مغيّم، والمكان غريب… مابيعرفش فيه حد، ولا حتى لاقي حد يدله على حاجة.
طلّع الورقة اللي فيها العنوان، ومشي يسأل على المصنع اللي جاي عشانه.
وبينما هو ماشي… تليفونه رن.
كان إسماعيل.
رد علي وقال:
"ألو… أنا وصلت دلوقتي."
قال إسماعيل:
"عارف إنك وصلت بالليل، عشان كده انزل في أوتيل هتلاقيه على إيدك اليمين. وبُكره محمد هيحمل معاك البضاعة… أنا كلمته عليك."
قال علي بنبرة اعتراض:
"متفقناش إن هيبقى فيه بيات في أوتيلات يا أستاذ إسماعيل."
رد إسماعيل وهو بيتنهد:
"يا ابني أكيد مش هنام في العربية ولا في المصنع! خد من الفلوس اللي مديّهالك، وأي حاجة هنتحاسب عليها."
سكت علي وقفّل المكالمة، واتّجه ناحيّة الأوتيل.
كان محتاج يعمل مكالمة قبل ما يطلع أوضته، ولما مسك تليفونه لقاه "فاصل".
قرب من السكرتيرة وقال بأدب:
"ممكن لو سمحتي أعمل مكالمة؟"
ابتسمت وقالت:
"اتفضل طبعًا."
مسك السماعة واتّصل برقم البيت.
التليفون بيرن… وماحدش بيرد.
قلبه اتقبض فجأة.
رنّ تاني… وبرضه مفيش.
وبعد شوية… السماعة اترفعت.
سمع صوت أنثوي هامس…
قال بسرعة وهو بيحاول يثبّت صوته:
"منى؟… ده أنا… علي."
ردّت منى بصوت متقطع ومتوتر:
"ع… علي… ك… كنت مستنّيه أكلمك."
ابتسم رغم القلق اللي جواه، وقال بنبرة هادية:
"وأنا كمان يا منى. أنا اتصلت أطّمن عليكي… كل حاجة تمام؟"
ردّت بتلعثم واضح:
"ت… تمام… و… وإنت؟"
قال علي وهو بيحاول يطمنها:
"أنا كويس. يلا نامي… وابعدي عن أي حاجة خطر يا منى."
قالت منى بصوت خافت قوي:
"علي… مش هتتأخر؟"
ردّ بسرعة:
"خلاص يا منى… قولتلك مش هتأخر. ارمي أحلام البعد ده على جنب… ونامي.
تصبحي على خير يا حبيبتي."
وقفل المكالمة… ولسه القلق ماسك قلبه.
دخل علي أوضته في الفندق…
أوضة بسيطة، سرير واحد وترابيزة صغيرة، بس كانت كفاية لليلة دي.
قفل الباب وهدوء المكان وقع عليه مرة واحدة.
حط شنطته على السرير وفتحها، طلع منها الفلوس اللي إسماعيل كان مدّيهاله.
قعد يعدّهم بإيده…
وهو خايف.
مش من الفلوس نفسها…
من حملها، من المسئولية اللي جواه، من كل خطوة بيبعد فيها عن منى.
كان مجبور يشيلهم…
علشان يسدد تمن المصنع، وتمن الطريق… وتمن حياته اللي لسه بيحاول يوقفها على رجلها.
تنهد… وبص للسقف.
أول ليلة ينام فيها بعيد عن أخته الكبرى.
أول مرة يحس الفراغ ده حواليه.
دماغه رجّعت كلامها…
اليوم اللي قالت فيه إن عندها حلم…
وإنها خايفة يفترقوا…
وساعتها هو اللي كان بيعيط، وهو طفل… مش مستوعب يعني إيه بُعد.
ليه الكلام ده بييجي في باله دلوقتي؟
ليه قلبه بيتقبض بالشكل ده؟
غمض عينه وقال بهمس:
"يا رب سلّم… يا رب سلّم."
…
…
رجوووع للمــــاضي
كان علي سايق بجنون، وفجأة...ظهر كمين قدامه، والضابط بيرفع إيده يشاورله يوقف.
لكن علي ما شافش...دخل في الحواجز بعنف، صوت التصادم دوّى والناس اتجمدت مكانها.
الكل اتصدم، عيونهم بتلاحق العربية اللي طارت من الكمين كأنها هاربة من الموت.
بس الحقيقة... الموت كان هو اللي بيطارد علي.
وصل علي قدّام الفيلا…
لسه نازل من عربيته، بيجري للداخل، أنفاسه ملخبطة وتعبان من السواقة المجنونة.
لكن فجأة—
صوت ارتطام مرعِب هزّ المكان كله.
حاجة تقيلة وقعت من فوق…
الأرض نفسها ارتجّت تحت رجليه كإن زلزال ضرب الفيلا.
اتجمّد.
رجليه اترسّمت في الأرض، ومقدرش يحرّكهم.
نَفَسه اتقطع، وصدره وقف للحظة.
التفت ببطء…
بعنيه الواسعة اللي الخوف ماليها لحد آخرها.
وشه اتسحب منه الدم، بقى رمادي.
ولما شافها—
الجثة اللي وقعت فوق عربيته…
السيارة متهشّمة من تحتها…
والجسد مرمي فوق السقف، شعره منساب، والدم نازل على الزجاج المكسر.
كانت وَعْد.
قلبه وقف.
روحه خرجت.
الدنيا اتصفت حوالينه، مابقاش سامع غير صوت دقّات قلبه—
اللي حتى هي توقّفت.
رهبة… ذعر… صدمة… كلهم مرة واحدة.
صرخ:
"وَعْــــد!!"
اندفع ناحيتها فجأة بعد ما الجسمه فكّ،
مسكها بإيده المرتعشة وسحبها من فوق العربية بالراحة…
وضمّها لحضنه كإنه بيحاول يرجّع الروح لجسدها.
ركع على الأرض بيها،
وقع معاها…
رجله مخانته،
وقوته اللي الكل بيشهد بيها…
اختفت،
اتبخّرت في ثانية،
لحظة شافها قدّامه بالشكل ده.
حط راسها على صدره وصوته بيتهز:
"وعد… قومي… بالله عليكي قومي…"
ابتعد علي عنها خطوة…
بصّ لها بعيون مصدومة، فاجعة بتاكل ملامحه، والدموع محبوسة بين جفونه وكإنها مش مصدّقة اللي شايفاه.
وشها بين إيده…
بارد… ميت…
ملامحها مطفية كإن الروح سابت الجسد قبل ثواني.
هزّها وهو بيترجف:
"وعد؟! وعد قومي… اسمعيني!"
ربّت على خدّها بقوة الخوف مش الحنان، صوته اتشرخ:
"افتحي عينِك… بالله عليكي افتحي عيننننك يا ووووعد!!"
كان بيصرخ…
بيصرخ من جوّه قبل ما يكون من برّه.
وفجأة…
جفنها اتحرك.
نفس علي اتقطع للحظة، وبصّ لها بعيون مجنونة، قلبه بيخبط وكأنه بيكسر ضلوعه.
فتحت عينيها…
نظرة أخيرة…
نظرة حد بيودّع…
حد بيحارب الموت بس بيخسر.
كان نفسها بطيء، متقطّع…
وشفايفها رسمت ابتسامة ضعيفة… ابتسامة انتصار قاسي.
قالت بصوت ضعيف… مكسور…
"قولتلك… هخليك تندم… وتجيلي… والدموع… في عينك."
اتسّعت عيون علي.
نظرتها كانت مزيج من انتقام… وموت… ونهاية.
وفجأة…
اتقفلت عينيها.
استسلمت.
صرخ علي:
"لـــا…! وعد لا! افتحي عينِك يا وعععد!!"
كان بيربت على وشها، إيده مليانة دم…
دمها.
والدم بيلطّخ كفه ووشها… والدنيا بتسيح قدّامه.
وفجأة…
وش وعد اتشوّش…
ملامحها اتهزّت…
وتحوّلت—
اتحوّلت لوش منى.
منى…
وهي ميتة بين إيده.
نفس المشهد.
نفس الوجع.
نفس اللحظة اللي قتلت روحه من سنين.
رجع…
رجع لعلي ابن الـ٢٠ سنة، الواقف شايل موته بإيده…
شايل أخته…
شايل روحه وهي بتتسحب من بين صوابعه.
رجع ببصّ لوعد تاني، وهي «الوصمة» اللي بتطرده، والدموع بتحرق خده.
مد إيده المرتجفة لوجهها:
"لا… لا بالله عليكي يا وعد…"
لكن الدم كان بينزل…
بينهدر منها كإنه نهر.
ضمّها لصدره جامد…
جرح… صرخة… روح بتتقطع.
"لاااااااااا!!! يا رب… يا رب لا…"
سقطت دموع علي أخيرًا…
مش دموع عادية—كانت شلال، كأن سدّ اتفتح فجأة بعد سنين صامد.
هزّها وهو بيختنق:
"افتحي عينِك… ليه عملتي كده؟ لييييييه يا وعد؟!"
ضمّها لصدره فجأة…
حضن مش حضن راجل—حضن حد مكسور، قاهر، صرخته بتشق السما:
"لاااااااا! لا ياااارب… إلا دي…
متخدهاش منّي… أرجوووووك!"
كان بيطوّقها بذراعيه وكأنه طفل خايف،
وبيطبقها على صدره كأنه عايز يشق ضلوعه ويخبيها جواه…
مكان ما الموت ما يعرفش يوصل له.
استند على قدمه وهو شايلها على إيديه…
رجله مهزوزة، مش شايلاه،
قرب من العربية وهو يكاد يقع…
كل لحظة عاشها قبل كده—كل كابوس، كل موت، كل فقد—بيرجع يتكرر قدّامه تاني…
نفس الرعب، نفس التفاصيل، نفس الجحيم.
أبعد الزجاج المتكسر بإيده المرتعشة…
وهو يدخلها العربية براحه…
كأنه بيحط آخر حاجة بيحبها في الدنيا في حضن الموت…
وقعد مكان السواق بسرعة،
يده التانية لسه ماسكاها،
وانطلق.
كان سايق والليل بيبلع الطريق…
دموعه بتسيل بانهيار لدرجة إنه مش شايف قدامه…
بيبص ليده اللي ماسكه الدريكسيون—
ملطّخة…
ملطّخة بدم وعد.
دم حبيبته…
اللي مرمية على ذراعه التاني،
راسها مستقرة على كتفه،
وهو ماسكها بجنون…
كأنه لو سابها لحظة واحدة هتغادر الحياة…
مع إنها—
يمكن كانت غادرتها فعلاً.
وهو سايق…
كان بينهار،
بينهار بكل وجعه اللي خاف منه طول حياته…
كان بيقول في نفسه:
"مقدرش… مقدرش أخسرها… مش تاني… مش بعد منى…"
وعينه تدمع أكتر،
وإيده تتمسّك بيها أقوى،
كأنه بيحارب الموت بإيده…
لكن الموت ما بيتحاربش.
كان علي يترجّى ربّه وهو بيرتعش…
صوته مكسور، ضعيف، متقطع:
"افتحي عينِك يا وعد… مش هتسيبيني… انتي كمان؟"
الكلمات خرجت منه وكأنها طلعت من جرح مش من فم.
أحداث اليوم المشؤوم القديم رجعت…
اليوم اللي مات فيه علي القديم، وطلع علي تاني مكانه.
لكن انتحار وعد…
خلاه يشوف الانتحار القديم بعينه،
رجّع له كل خوفه، كل وجعه،
وخلاه زي الفأر المذعور اللي اتفتح عليه سقف قفصه مرة واحدة.
الطريق كان واقف.
عربيات مرصوصة…
ناس بتصرخ… محدش بيتحرك.
علي وقف عربيته بعصبية…
عينه ماسكة الطريق كأنه بيحاول يشقه بإيده.
حتى ظابط المرور كان واقف عاجز قدّام الفوضى.
علي فتح الباب…
لكن الباب كان معلق من الخبطة والتهشم.
زقّه برجله بكل قوته…
اتكسر.
مد إيده… سحب وعد من العربية
وحضنها على زراعيه—
جسمها يتقطر دم.
دم ساقع… لكنه كان مولّع قلبه.
ركض.
ركض بجنون.
عدّى بين العربيات،
والسائقين اتنحوا…
والمزامير اتسكتت فجأة.
الجميع اتجمدوا وهما شايفين الراجل اللي شايل جثة غرقانة دم وبيجري بيها كأنها آخر نفس بيملكه.
علي يلهث…
نَفَسه بيقطع صدره.
وعينه كل شوية تبص لوعد…
لكن عقله يشوف منى.
نفس اللحظة.
نفس المشهد.
نفس الوزن اللي بيكسر ضهره.
نفس الخوف.
نفس البكاء اللي اتعاهده إنه مش هيعيّطه تاني.
كل خطوة…
كانت بتعيدله صرخة قديمة،
لحظة قديمة،
موت قديم.
دلوقتي…
كل ده بيرجع تاني.
كان بيجري كفهد،
شايل وعد كأنها طفلته…
مش حبيبته بس—
دي كانت روحه التانية.
ظابط المرور شافه…
اتصدم من المشهد.
وقفه بقوة:
"إنت! اقف عندك!"
لكن علي ما وقفش…
عينه كانت مجنونة…
مليانة دموع…
ومليانة نفس واحد:
"الحقّوني… هتموت!"
قال علي وهو لاهث، صوته متقطع:
"المستشفى فين؟"
الظابط اتجمد…
شاف الرعب اللي في عين علي—
الرعب اللي يخوّف راجل متعوّد يشوف الدم كل يوم.
قال بسرعة:
"الشارع اليمين… آخره."
وكأنه فتحله الطريق بجملة واحدة.
علي جرى.
كأنه بيجري بروحه مش برجليه.
كان كل شوية يتكعبل…
رجله بتخونه…
لكن كل مرة كان بيرفع وعد بسرعة، يضمّها لصدره كأنه بيخبّيها من الدنيا،
وبعدين يرجع يقف ويجري تاني.
كان قوي…
بس دلوقتي؟
اللي يشيله هو اللي وقع.
واللي كان يشيل الدنيا…
ركبته بتترعش.
وصل المستشفى أخيرًا…
فدخل وهو يصرخ صرخة راجل بيغرق:
"دكتووووور!!!"
كل اللي في الاستقبال اتفزعوا.
مرضى… ممرضات…
اتجمدوا كلهم لما شافوا وعد مغطّية دم،
وهو شايلها كأنها آخر نفس في صدره.
صرخ تاني، أعلى:
"دكتووووور بقولللكم!"
خرج دكتور بملامح منزعجة:
"إيه الصوت ده؟! إزاي تعمل دوشة بالشكل ده في—"
لكن ما كملش.
علي خطفه من قميصه…
رفع الدكتور بإيده كأنه ورقة.
عنيته كانت مش إنسان…
عنيته كانت حرب.
قال بصوت متقاطع بين التهديد والبكاء:
"أنقذها."
الدكتور اتصدم…
اتوتر…
بَص لعلي بترقّب،
والخوف مسيطر على وشه.
علي شدّه أكتر:
"خَلّيها تعيش…
تتخرّج وإنت اللي أنقذتها…
ما تتخرجش خالص لو ماتت بين إيدك."
الكلام كان تهديد…
بس كان خوف قبل أي حاجة.
الدكتور بصّ لوعد…
وبعدين بصّ لعلي وقال بخضة:
"إنت… متأكد إنها مش ميّتة؟
إنت مقتنع بكلامك دا؟"بصّ علي لوعد اللي على دراعه، تملّكه الرعب… معقول تكون ودّعته بين إيده؟
جه المسعفين، حطّوها على السرير، والدكتور بيشوف نبضها.
بصّ لعلى، وكانت النظرة كفيلة تقتل علي ١٠٠ مرّة.
قال: "عايشة."
سحب علي الدكتور بقوّة وقال: "انطقققق!"
قال الدكتور:
"هعمل اللي في إيدي… حضّروا أوضة الإنعاش فوراً!"
الممرضين جِروا، وعلي قال: "أنقذها."
قال الدكتور جملة واحدة:
"المنقذ هو ربك، أنا عبد زيّك… صدّقني مفيش في إيدي حاجة. أنا هعمل اللي في إيدي. صدّقني نبضها ضعيف قوي… إنت بتأخّرني."علي تركه، والفجعة في عينه.
الدكتور عدّل جاكته ومِشي فوراً وهو خايف من علي.
مسك علي سرير وعد وهما بياخدوها من قدّامه، ومِشي معاها وهو ماسك إيدها، ودمائها بتمتزج بين إيديهم وهو بيقبض عليها.
قال بصوت شجن باكي مرعوب:
"وعد..."
ولما اتفتح باب الأوضة وخدوها، علي كان هيدخل، لكن الممرضة منعته.
قالت:
"خليك هنا لو سمحت."
قال علي:
"ابعدي… هدخل معاها! مينفعش تسيبني!"
قالت الممرضة:
"لو سمحت… ده قانون."
قال علي بغضب وقوّة:
"ابعدي!"
ودخل، وكانت فيه جلجلة في الأوضة بسبب علي.
وهنا… لقى إيد بتتحط على كتفه.
لما بص… لقى شخص واحد.
مالك.
حارسه الشخصي وصاحبه اللي رماه الزمن قدّامه في وقت غير مناسب.
قال مالك:
"اخرج يا علي… إنت بتعطلهم."زقه علي، لكن مالك سحبه بقوة لبرا وقفّلوا الباب أخيراً.
بصّ علي، لقى عبير واقفة، مصدومة، الدموع مالية عينيها وهي باصة على وعد من ورا الإزاز.
علي ماكنش فاهم مالك جه إزاي… ولا عبير.
لكن لفّ على الإزاز يشوف حبيبته، وكأن روحه هي اللي جوّه.
جواه كان بيرتجّف وهو شايف الطبيب بيعمل لها إنعاش بكلتا إيديه، بيضغط بقوة…
لكن علي ماكنش شايف غير حاجة واحدة:
خط الحياة على الشاشة… متوقّف.
ما بيتحرّكش.
قال علي بصوت مكسور:
"لا…"
الدكتور بيضغط أقصى ما يمكن، لكن مفيش أي استجابة تقول إنها لسه عايشة.
ولما شاف طقم التمريض بيتبادلوا النظرات…
صرخ علي:
"لااااا… وعااااد!"
اندفع ناحية الباب، مسكه مالك وزقه بقوة وقال:
"ابعد!"
علي بيصرخ:
"افتحي عينِك يا وعد… لااااا بقووولك!"
مالك ماسك علي بكل قوته…
لكن ماكانش قادر عليه من شدّة هياجه.
وقال مالك بصوت محاول يهدّيه:
"اهدّا يا علي…"الدكتور عمل جهاز الصدمات بسرعة وقسوة، وشقّوا ملابس وعد لينتفض جسدها مع الصاعقة.
علي توقّف، حاسس إن روحه بتتسحب منه، ودمعة أخيرة نزلت وهو شايف اللي وصلت له… جسدها بيتنفض من أثر الصدمات القوية.
وهنا… عاد النبض يشتغل.
والدكتور ماوقفش، استمر لحد ما النبض ثبت أكتر، وقال بسرعة:
"عمليّة… بسرعة!"
علي نظر لوعد وهما بيقفّلوا الإزاز، يمنعوه يشوفها… آخر لمحة اختفت قدّامه.
علي بعد عن مالك، ماقدرش يعقل… راح وقف عند الباب.
مالك بصّ له… في عيونه فاجعة ورعب ماكانش متخيل يشوفهم في علي.
اللي قدّامه مش علي اللي يعرفه…
ده علي الحقيقي… علي اللي اتدفن لما أخته ماتت، واللي فاق تاني لما حب وعد صحّى المقتول جواه.
كأنه أخيراً اتشبّث بحاجة غير الانتقام.
خرجت الدكتورة بعد الانتهاء…
بصّت لعلي، وقالت من غير مقدمات:
"عدّت مرحلة الخطر…
بس حالتها مش مستقرة."قال علي:
"هي كويسة؟"
ردّ الدكتور ببرود واقعي:
"معتقدش… حالتها كانت بين إيد ربنا. بس السؤال هنا… اللي حصلها ده من إيه؟"
ما ردّش علي.
لكن مالك قال بسرعة:
"حادثة يا دكتور."
الدكتور بصّ لعلي… الدم مغرق هدومه وإيده.
وسأل بنبرة شك واضحة:
"مين الفاعل؟ هو؟"
قال مالك:
"لا يا دكتور… ده يكون—"
قاطعهم علي، صوته اتكسر:
"الطفل."
الدكتور رفع عينه باستغراب:
"طفل؟"
علي كرر:
"هو كويس… صح؟"
الدكتور اتوتر:
"طفل إيه؟"
بصّ له علي باستغراب كأنه بيسمع حاجة غريبة:
"و… وعد حامل. عايز أطمن على ابني… هو لِسّه عايش ولا؟"
الدكتورة اللي كانت واقفة جنبه قالت فجأة:
"بس… المريضة مش حامل أصلاً."
الدنيا وقفت.
تسمّر علي مكانه… ومالك وعبير اتصدموا.
قالت عبير بصوت مبحوح:
"إزاي يا دكتور؟!"
ردّ الدكتور:
"زي ما سمعتوا. مفيش أي جنين في رحم المريضة."
مَلامح علي اتقلبت، وشه كله صدمة…
الدكتور كمل:
"بس… في أثر جراحة أسفل البطن. يدل إن المريضة دخلت عملية فعلاً. فممكن"
علي قال بصوت مهزوز:
"ممكن… ممكن إيه؟"
الدكتور نطق الكلمة اللي قصفت قلبه:
"إجهضت."
يتبع...
بين الحب والانتقام
