📁

رواية بيت العمده الفصل السابع 7 بقلم نور الشامي

رواية بيت العمده الفصل السابع 7 بقلم نور الشامي

رواية بيت العمده الفصل السابع 7


 الفصل السابع

بيت العمدة


خيم الحزن الثقيل على أرجاء البيت الكبير، حتى بدا المكان وكأنه فقد صوته. كانت أصوات القرآن تتردد خافتة في الصالة الواسعة، بينما جلس الرجال في ناحية، والنساء في ناحية أخرى، وكل الوجوه يكسوها السواد والحزن بعد موت زينب المفاجئ كانت رائحة البخور تختلط برائحة الدموع، والهمسات الخافتة تتسلل بين الجالسين، كأن الجميع يخشى رفع صوته في حضرة الموت.

فجلست غصن في طرف المجلس، ملامحها شاحبة وعيناها غارقتان في صمت ثقيل. لم تكن تنظر إلى أحد، وكأنها غارقة في أفكارها.

لكن على الجانب الآخر، كانت هدير تراقبها.

لم تكن نظراتها عادية… بل كانت حادة، طويلة، ومليئة بشيء غامض لا يمكن تفسيره. كانت تحدق في غصن بلا انقطاع، حتى بدا الأمر وكأنها تحاول اختراقها بنظراتها. فرفعت غصن رأسها للحظة، والتقت عيناها بعيني هدير، لكن الأخيرة أشاحت بوجهها بسرعة وكأن شيئا لم يكن.

وفي زاوية أخرى من الصالة، كانت صفاء تراقب المكان بصمت، وعيناها تتابعان حركة الداخلين والخارجين. وفجأة، انتبهت إلى منصور وهو ينهض من مكانه ويتجه نحو الدرج وصعد بخطوات سريعة، دون أن يلتفت خلفه.

فضيقت صفاء عينيها قليلا، وكأن فكرة ما لمعت في رأسها، ثم نهضت بهدوء وتبعتـه حتى وصلت إلى الطابق العلوي، ثم رأت باب غرفته يغلق.

فتقدمت بخطوات حذرة، قبل أن تفتح الباب فجأة وتدخل كان منصور قد بدأ يخلع عقاله عندما التفت إليها متفاجئًا لكن قبل أن ينطق بكلمة، اندفعت صفاء نحوه وأمسكت بملابسه من صدره بعنف، وهزته بقوة وهي تصرخ:


إنت ال جتلتها… إنت ال جتلتها يا منصور... جتلت امك 


تجمد منصور في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة وهتف:  


إنتي بتجولي إي يا صفاء... اي ال بتجوليه دا... ازاي تفكري اكده 


شددت صفاء قبضتها على ملابسه أكثر وهي تقول بحدة:


جتلتها … انت جتلت أمك زي ما جتلت أبوك صوح 


ارتسم الذهول على وجهه، ودفع يديها قليلا وهو يقول بارتباك وغضب:


والله أبدا... أنا مستحيل أذيها… دي أمي... جسما بالله ما عملت حاجه فيها 


ردت صفاء بعصبية:


ما إنت جتلت أبوك.. عايزني اصدجك ازاي هاا 


اشتعل الغضب في عينيه، وهتف:


دي أمي يا صفاء..انا بحبها جوي...دي الوحيده ال بحبها في حياتي كلها.. أنا معملتش حاجة… ومستحيل حد يجدر يأذيها.... طب… مين ال عمل اكده؟


سكتت صفاء لحظة وهي تفكر، ثم قالت بتردد:


يمكن… أهل غصن 


هز منصور رأسه فورا، رافضا الفكرة وقال:  


لع... مستحيل. أهل غصن مش هيعملوا اكده 


قطب حاجبيه وأضاف:


لع او  عايزين ينتجموا… هينتطموا من الرجالة وبس 


ساد صمت قصير بينهما، قبل أن تضيق صفاء عينيها فجأة، وكأن فكرة خطيرة خطرت لها.

ثم قالت ببطء:


انا شاكة في ال اسمها هدير دي… وشاكة إنها هي كمان ال كانت هتولع الأوضة 


اشتعل وجه منصور غضبا، وقال بعصبية:


وبنت البندر دي تعمل اكده ليه؟! دي مش بتفهم حاجة أصلا... لع مستحيل تكون هي 


نظرت إليه صفاء بحدة، وقالت ببرود:


والله إنت ال ما بتفهم… البنت دي مش كويسة وهتصدجني… لما أثبتلك.. لما اثبتلكم كلكم انها سبب المصايب ال بتوحصلنا 


نظر إليها منصور بضيق واضح، لكنه لم يرد. وفي تلك اللحظة…لم ينتبه أي منهما إلى تلك التي كانت تقف خارج الباب كانت هدير واقفة في الممر، تضع يدها على فمها، وقد شحب وجهها بشدة بعدما  سمعت كل شيء وعيناها امتلأتا بالخوف… بينما قلبها يخفق بعنف داخل صدرها وفي المساء داخل غرفة المكتب كان يجلس كاسر خلف مكتبه الخشبي الكبير. كانت الغرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى مصباح صغير فوق المكتب. بدا التعب واضحا على ملامحه، وقد أسند رأسه على ذراعيه فوق سطح المكتب، وكأن ثقل الحزن قد سحب منه كل طاقته.

لم يتحرك ولم يرفع رأسه.وفي تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء ودخلت غصن حاملة صينية عليها بعض الطعام وكوب ماء و توقفت لحظة عند الباب، ونظرت إليه بصمت، قبل أن تتقدم بخطوات هادئة وما إن اقتربت حتى شعر بوجودها ورفع رأسه ببطء، وعيناه حمراوان من شدة الإرهاق، ثم قال بصوت خافت متعب:


أنا جولت اني مش عايز واكل 


لم ترد عليه مباشرة زوضعت الصينية على الطاولة القريبة بهدوء، ثم اقتربت منه أكثر وجلست على الكرسي المقابل له زنظرت إليه لحظة قبل أن تقول بنبرة هادئة لكنها حازمة:


إنت لازم تبجقى قوي يا كاسر… علشان العيلة دي مينفعش حد يشوف العمدة مهزوم وزعلان اكده 


لم يرد بل رفع يده فجأة وأخفى وجهه بها، وكأنه يحاول أن يحجب ضعفه عن العالم كله فنظرت إليه غصن بصمت للحظة، قبل أن تنهض من مكانها واقتربت منه ببطء ثم انحنت نحوه واحتضنته.وفي اللحظة التي أحاطته بذراعيها…انهار وانفجر كاسر في البكاء فجأة، كأن الحزن الذي حبسه طوال اليوم وجد أخيرا طريقه للخروج وتشبث بها وهو يقول بصوت متكسر:


أمي ماتت يا غصن… خلاص راحت مش هجدر اشوفها تاني … مش هسمع صوتها تاني 


كانت دموعه تنساب بصمت وهو يتكلم أما غصن، فربتت على ظهره برفق وهي تحاول تهدئته وقالت بصوت دافئ:


اهدى… اهدى يا كاسر. أنا جمبك… ومش هسيبك 


ظل هكذا للحظات، حتى بدأ صوته يهدأ تدريجيا.

وفجأة…دوى صوت طرق على الباب فـ ابتعدت غصن عنه بسرعة، ثم التقطت منديلا من فوق المكتب ومدت يدها إليه ومسحت دموعه برفق قبل أن تقول بنبرة هادئة لكنها حازمة:


ارفع راسك يا عمدة… محدش ينفع يشوفك اكده


تنفس كاسر بعمق، ثم اعتدل قليلًا في جلسته والتفتت غصن نحو الباب وقالت:


ادخل


انفتح الباب قليلا، وظهرت الشغالة واقفة عند العتبة وقالت باحترام:


يا ست غصن… فيه واحد بره اسمه جابر… بيجول عايز يشوف حضرتك 


تغيرت ملامح غصن فورا، وظهر التوتر واضحا في عينيها ونظرت نحو الأرض لحظة، قبل أن تقول بهدوء:


ماشي… روحي انتي 


استدارت غصن لتخرج لكن قبل أن تصل إلى الباب…قال كاسر فجأة:


استني 


توقفت غصن والتفتت إليه بتوتر وكاسر ينظر إليها بنظرة متفحصة قبل أن يقول:


مين دا.... إي حكايته مش فاهم.. مش ده ال كان موجود وجت ما كنا في الشارع وبعدها جالنا اتصال عن الحجة الله يرحمها … ومشينا علطول من غير ما تجولي مين... ها اتفضلي انا سامعك... مين بجا دا 


ترددت غصن لحظة، قبل أن تقول باقتضاب:


دا… اها... دا واحد قريبنا


فتح كاسر فمه وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر لكن في تلك اللحظة، انفتح الباب مرة أخرى زدخلت هدير إلى الغرفة وفي اللحظة نفسها، استغلت غصن الفرصة واستدارت سريعا، ثم خرجت من المكتب دون أن تضيف كلمة أخرى وبعد فتره من الوقت وقفت غصن أمام البيت، وملامحها متوترة بينما كان جابر يقف أمامها، ينظر إليها بنظرة لم تعجبها أبدا وقالت له بعصبية واضحة:


انا جولتلك تبعد عني يا جابر… ولو ما بعدتش، والله لـ هجول لمالك 


ابتسم جابر بسخرية خفيفة، ثم قال ببرود:


وأنا لو مخدتش ال أنا عايزه… مش هسكت يا غصن 


اشتعل الغضب في عيني غصن، فتقدمت خطوة نحوه وقالت بحدة:


"امشي يا جابر… ومتجيش اهنيه تاني احسن بدل جسما بالله العظيم انا ال هجتلك... يلا امشي 


ثم أضافت وهي تشير للطريق:


امشي وأنا هتصرف. 


حدق فيها جابر بضيق واضح، وكأن كلماتها أغضبته، لكنه لم يرد. بل استدار أخيرا ومشى مبتعدًا بخطوات ثقيلة، بينما بقيت هي واقفة مكانها للحظة، تحاول أن تهدئ أنفاسها وفي مساء يوم جديد…كانت غصن تصعد الدرج متجهة إلى غرفتها. بدت متعبة، وكأن يومها كان أطول من المعتاد وفتحت باب الغرفة بهدوء…لكنها توقفت فجأة عند العتبة واتسعت عيناها قليلًا عندما رأت كاسر جالسا على سريرها، مستندا بظهره إلى الحائط، وعيناه مثبتتان عليها فتوترت ملامحها فورا، لكنها حاولت أن تخفي ذلك وقالت بنبرة رسمية:


أهلا وسهلا يا عمدة… إنت محتاج حاجة؟


رفع كاسر حاجبه قليلا وقال بهدوء:


هو لازم أكون عايز حاجة علشان أدخل أوضتك ولا اب عاد وبعدين… إنتي بتهربي مني ليه أصلا؟ من يوم العزا وأنا مش بشوفك... انتي جاصده صوح.. جاصده تهربي 


توترت غصن قليلا، وقالت بسرعة:


لع… أنا بس مشغولة... انت عارف اهنيه في حاجات كتير جوي الواحد يتشغل فيها 


صمت كاسر لحظة، ثم قال وهو يراقب تعبيرات وجهها وردد:


جابر ال جولتي عليه قريبك… طلع مش قريبك.


اتسعت عيناها قليلًا أما هو فأكمل بلهجة أكثر حدة:


طلع ابن صاحب عمك… هو عايز إيه منك اي بجا 


تنفست غصن ببطء قبل أن تقول:


كان عنده شغل مع عمي… وحصلت مشاكل بينهم، وعايزني أكلمه. 


لم تعجب الإجابة كاسر واعتدل في جلسته وقال بعصبية:


وإنتي مالك؟ ها؟ بتدخلي ليه في ال ميخصكيش؟


قطبت غصن حاجبيها قليلًا وقالت:


خلاص… مش هتدخل بعد اكده 


ثم أضافت محاولة تغيير الموضوع:


انت أكلت... اجيبلك واكل؟ 


عاد كاسر يستند إلى الحائط وجلس على السرير مرة أخرى، ثم قال بهدوء غريب:


مش عايز واكل... انا عايزك إنتي… مش إحنا متجوزين ولا إي 


تجمدت غصن في مكانها، ونظرت إليه بتوتر واضح ثم قالت بصوت منخفض:


بس إنت بتحب مرتك… ال هتبجب ام ابنك 


لم يجبها بالكلام بل مد يده فجأة وسحبها نحوه، حتى أصبحت قريبة منه ونظر إليها بحدة وقال:


وإنتي إي لما هي مرتي ؟!  


ارتبكت أكثر وقالت بصوت خافت:


أنا… انا ولا حاجة بالنسبة ليك


اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه قريبة منها، ثم مال قليلًا وقبلها علي عنقها  فارتجفت قليلًا من المفاجأة، وتأثرت رغم محاولتها التماسك وقالت بصوت متقطع:


يا عمدة… بلاش تعمل اكده… بالله عليك 


لكن كاسر شدها إليه أكثر، وكانت يده تتحرك محاولًا إنزال القماش قليلا عن كتفها وهو يقول بصوت خافت مشحون:


هششش... اسكتي.. انا عايزك 


لكن قبل أن يقترب أكثر…ابتعدت عنه فجأة ونظرت إليه بجدية وقالت بحزم:


لع يا كاسر… إنت مش عايزني


ثم أضافت بصوت ثابت رغم اضطرابها:


وأنا مقدرش أعمل اكده… إنت متجوز… ومرتك حامل وانا بالنسبالك ولا حاجه.. ايوه مرتك بس علي الورج بس انت مش عايزني والله 


ساد صمت لثواني ثم ضيق كاسر عينيه وقال بحدة:


يبجى الكلام ال سمعته صوح 


قطبت حاجبيها بعدم فهم وقالت؛  


كلام إي عاد 


قال ببرود غاضب:


إنك عايزة تتجوزي واحد تاني.


اتسعت عيناها بصدمة وقالت:


واحد تاني مين ده؟ إنت بتجول إي و


وفجأة صرخ فيها وقال:  


بجول ال سمعتيه عمك لسه كان عندي… وجال إنك عايزة تتجوزي واحد تاني.... هو صوح هو ال اسمه جابر 


اشتعل الغضب في عيني غصن، وكانت على وشك أن ترد…لكن في تلك اللحظة…دوى طرق سريع على الباب.

ثم فتح الباب ودخل أحد الحراس مسرعا فنظر إلى كاسر وقال:


يا عمدة… إحنا عرفنا مين ال جتل الست زينب. 


اعتدل كاسر فورا، وحدق فيه بحدة وقال:


مين؟!


الحارس:  


الست صفاء مرت منصور بيه و 


توقعاتكم ورايكم

يتبع

الرواية كامله من( هنا )


Mohamed ME
Mohamed ME
تعليقات