رواية بيت العمده الفصل الخامس 5 بقلم نور الشامي
رواية بيت العمده الفصل الخامس 5
الفصل الخامس
بيت العمده
تجمع الجميع في الغرفة، والقلق يخيم على الوجوه كظل ثقيل حيث كانت هدير ممددة على الفراش، شاحبة، ساكنة تحت تأثير الدواء، بينما وقفت زينب عند رأسها تردد الأدعية بصوت خافت، ووقف كاسر غير بعيد، عيناه لا تفارقان وجهها، كأنما ينتظر حكماً لا مفر منه حتي دخلت الطبيبة أخيرا، وبعد أن فرغت من فحصها، التفتت إليهم بملامح هادئة وقالت بصوت مطمئن:
الجنين كويس الحمد لله… مفيش خطر عليه، بس هي محتاجة راحة تامة. الوقعة مأثرتش جامد، بس لازم متتحركش خالص كام يوم
تنفس الجميع الصعداء، لكن صفاء لم تستطع كبح لسانها، فتمتمت بصوت خافت ساخر:
دا أنا لما بتخبط في رجلي بجعد سنة على السرير… وهي وجعت من على السلم وزي العفريته... دا اي يا اختي الهم ال احنا فيه دا
التفتت إليها زينب بنظرة حادة وقالت بصرامة:
اخرسي واسكتي يا صفاء… مش وجت كلام فارغ
أشاحت صفاء بوجهها متظاهرة بالصمت، بينما واصلت الطبيبة حديثها موجهة كلامها إلى كاسر:
أنا اديتها حقنة مسكنة وهتفضل نايمة لحد بـ الليل ان شاء الله.. مهم جدا متتحركش نهائي… ولو حصل أي ألم أو نزيف تبلغوني فورا
أومأ كاسر برأسه دون أن يتكلم، ثم غادرت الطبيبة الغرفة، وأغلق الباب خلفها وساد صمت ثقيل للحظات قطعه كاسر بصوت منخفض مبحوح:
أنا السبب… أنا ال عملت فيها اكده... بس غصب عني والله . كانت ماسكة فيا ومش راضية تسيبني.
تقدم منصور ووضع يده على كتفه قائلا بهدوء:
خلاص يا كاسر… متحملش نفسك ذنب هي الحمد لله كويسة أهي... وال حوصل قضاء وقدر
ظل كاسر صامتا لحظة، ثم رفع رأسه وقال بلهجة حاسمة:
حضر الرجالة يا منصور… إحنا خارجين دلوجتي يلا
استدار كاسر وخرج من الغرفة بخطوات سريعة تاركا خلفه نظرات متسائلة واقتربت صفاء من زينب، وانحنت نحوها هامسة بنبرة تحمل معنى أبعد من كلماتها:
شكله بدأ يحب غصن يا حجه
رفعت زينب حاجبيها وقالت متحفظة:
ياريت… بس معتقدش. إنتي مش شايفاه وجف جصادنا إزاي علشان هدير دي.... وكان خايف عليها جوي
ابتسمت صفاء ابتسامة جانبية وقالت بخبث:
لو كان بيحب هدير مكنش سابها تعبانة ومشي اكده..... هو دلوجتي بجا العمدة… ومعندوش حجة يخلي غصن على ذمته... يعني لازم يروح يطلجها زي ما كان بيجول
تنهدت زينب ولم ترد فأكملت صفاء وهي تعقد ذراعيها:
هنشوف بجت… لو سابها هناك وطلجها يبجي بيحب بنت البندر أما لو رجع غصن… يبجى عمره ما حب هدير أصلا، وغصن هي ال هتبجي ملكت جلبه وروحه يا خبر بفلوس… بعد ساعتين يبجى ببلاش
سكتت زينب، لكن عينيها اتجهتا نحو الباب الذي خرج منه كاسر، وقلبها لا يزال معلقا بما سيحدث خارج تلك الجدران… حيث لا تحسم الأمور بالكلمات، بل بالقرارات وبعد فتره من الوقت كان بيت رفاعي يغلي كقدر على نار مكشوفة حيث جلس رفاعي في صدر المجلس، عينيه تشتعلان غضبا مكتوما وإلى جواره أخته نوارة أم مالك وقد شبكت يديها في توتر واضح وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا:
مينفعش ال حوصل ده يا رفاعي… مينفعش ناخد البنت من بيت جوزها بالطريجة دي.... دي مهما كان على ذمته
ضرب رفاعي بعصاه الأرض وقال بحدة:
دا الوح يا نواره.... مدام اتجوز واحدة تانية خلاص… بنت أخوي ملهاش عيشه هناك اكتر من اكده وأنا كنت أجدر أخليه مينجحش في العمودية… بس سكت علشان خاطر أبوه الله يرحمه... عملت حساب العشرة الجديمة مش أكتر.
كان مالك يقف غير بعيد يستمع ودمه يغلي حيث تقدم خطوة وقال:
إحنا لازم نعمل جعدة رجالة يا خال ونخلص الموضوع ده ويطلجها طدام الكل، ونجفل السكة دي خالص
وفي تلك اللحظة نزلت غصن من أعلى الدرج بهدوء مريب وملامحها ساكنة رغم العاصفة الدائرة حولها ووقفت أمامهم وقالت بصوت خافت لكنه واضح:
بس أنا مش عايزة أطلج يا مالك.... أنا وعدت الحج أحمد الله يرحمه… إني أحميه. ومهما حوصل مش هرجع في وعدي
اشتعل وجه مالك غضبا واقترب منها صارخا:
الراجل هو ال بيحمي مرته … مش مرته ال بتحميه يا ست غصن.. وبعدين هو أصلا مش معتبرك مرته ومش هتفضلي طول عمرك تحميه اكده انتي بتحميه من وهو صغير… وبسببه كنتي هتموتي ودخلتي المستشفي مرتين علشان جمال عيون ابن العمده ولا ناسية؟
ارتبكت غصن للحظة، وتغير لون وجهها، واهتزت نظرته وقبل أن يقطع التوتر صوت طلقات نارية دوت في الخارج فتجمد الجميع وفي ثواني اندفع الباب يفتح بقوة، ودخل كاسر يتقدمه السلاح وخلفه منصور وعدد من رجاله المسلحين فوقف رفاعي صارخا بغضب:
إنت داخل بيتنا بالسلاح يا ابن العمدة؟!
رد كاسر ببرود حاد:
على الأقل مدخلتش بالخداع زيكم.... إزاي تاخدوا واحدة من بيتي من غير ما أعرف اكده هااا
ابتسم مالك بسخرية، ونظر إلى غصن قائلا:
اتفضلي… بيجول عليكي واحدة مهانش عليه يجول مرتي حتي
وفي لحظة خاطفة، رفع كاسر سلاحه في وجه مالك وقال بحدة قاتلة:
الزم حدودك احسن علشان انا اصلا مش طايجك أنا جاي آخد غصن وامشي
وعلى الفور، رفع حراس رفاعي أسلحتهم في وجه كاسر ورجاله، لكن مالك أشار لهم بيده مرددا:
نزلوا السلاح… عيب اكده ده ضيف ومش اي ضيف.. دا العمده الجديد
ثم نظر إلى كاسر بتحدي واكمل :
نزل سلاحك أحسن انت كمان … وطلج غصن وحلينا ننهي الحوار دا
أجابه كاسر دون أن يخفض سلاحه:
مش بمزاجك.
ثار رفاعي وصاح:
أمال بمزاجك إنت.... تروح تتجوز على بنت أخوي واحدة حامل منك… وعايزها تفضل على ذمتك كمان؟!
قال مالك بغلظة:
مش هتاخدها... ريح دماغك بجا وطلجها .. غصن… اطلعي أوضتك
نظرت غصن حولها بتوتر، وقلبها يخفق بعنف وتحركت خطوة نحو الدرج… لكن قبل أن تصعد، اندفع كاسر فجأة زأمسك بذراعها وسحبها نحوه بقوة وفي لحظة أربكت الجميع، انحنى وحملها على ظهره، ويده الأخرى لا تزال ممسكة بالسلاح الموجه نحوهم وصرخ بصوت دوى في أرجاء البيت:
اللي هيقرب… هجتله... ابعدوا كلكم
شهقت غصن وهي تضرب بقبضتيها على كتفه وتردد:
سيبني يا كاسر... نزلني.. إنت بتعمل إي عاد... سيبني
لكنه لم يلتفت، بل تراجع خطوة بخطوة نحو الباب، ورجاله يشكلون دائرة حماية حوله والأسلحة مرفوعة في كل اتجاه... كانت الفوضى تعم المكان، وعيون الرجال مشتعلة، وأصابعهم على الزناد وعند عتبة الباب، دوى صوت مالك خلفه صارخا بجنون:
هجتلك يا ابن العمدة... هجتلك
لكن كاسر لم يلتفت وخرج بها تحت وابل النظرات المشتعلة، تاركا خلفه بيتا يغلي بالثأر… وحربا لم تبدأ بعد وفي المساء كانت السيارات مصطفة أمام البيت الكبير، وأضواءها تخترق ظلمة الليل في توتر واضح حيثتوقفت سيارة كاسر في المنتصف، وترجل منها بخطوات حادة، ثم دار إلى الجهة الأخرى وفتح الباب بعنف مكبوت ونظر إلى غصن داخل السيارة وقال بلهجة آمرة:
انزلي
رفعت عينيها إليه بعناد واضح وقالت:
مش هنزل… ال يخطف واحدة يفضل مستحمل مسؤولية خطفه
اشتد فكه غضبا وقال بصوت منخفض حاد:
انزلي وبلاش تفرجي الناس علينا يلا خلصيني
عقدت ذراعيها أكثر وقالت بتحدي:
جولتلك مش نازلة
لم يحتمل كاسر أكثر و انحنى فجأة. أمسك بها، وحملها على ظهره رغم مقاومتها، ثم اندفع بها نحو الداخل. في بهو البيت، كانت زينب وصفاء تتابعان المشهد بذهول فهمست صفاء:
مش جولتلك يا حجه اتفضلي أهه… جايبها على ضهره كمان... العمده جايب البنت علي ظهره
اقتربت زينب بقلق وهي تقول:
في إي يا ابني اي ال بيوحصل دا
صرخت غصن وهي تضرب كتفه وهتفت:
جوليله ينزلني يا حجة! ابنك خطفني... نزلني
أنزلها كاسر أخيرا، ثم التفت إليها بحدة وقال:
بطلي كلمة خطفني دي… وقصري الليلة احسن
وقبل أن يستكمل حديثه، انتبه فجأة إلى حركة أعلى الدرج كانت هدير تقف هناك، شاحبة ومتعبة، تستند إلى السور وهي تنظر إليهم بعينين متعبتين. بدأت تنزل ببطء فـ اقترب منها كاسر سريعا وقال بقلق:
إنتي كويسة؟ نزلتي ليه عاد
تمسكت بقميصه بتمثيل واضح وقالت بصوت واهن:
حاسة إني لسه تعبانة اوي
تمتمت صفاء بسخريه:
ونزلتي ليه مدام تعبانة؟ ما تجعدي ترتاحي يا تخاي علي سريرك دا اي الهم ال احنا فيه دا
نظرت هدير إلى كاسر ثم أغمضت عينيها قليلا كأنها توشك على الإغماء. فـ انحنى وحملها بين ذراعيه وقال بحزم:
تعالي أطلعك أوضتك... انتي لسه تعبانه
صعد كاسر بها سريعا، بينما كانت غصن تقف مكانها، تنظر إليهما بصمت موجوع… ثم استدارت وصعدت هي الأخرى إلى غرفتها وفي غرفة هدير
حيث وضعها كاسر برفق على السرير وقال:
لازم ترتاحي… الدكتور جال اكده علشان الطفل
أمسكت يده قبل أن يبتعد وهمست:
خليك جنبي… متسبنيش.
جلس كاسر إلى جوارها، فأسندت رأسها على صدره..... ظل لحظة صامتا، ثم قال بصوت خافت:
أنا آسف… مكنش جصدي ال حوصل والله.. سامحيني
ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت:
أنا عارفة إنك مش قصدك حاجة… وإنك بتحبني.
ومش هضغط عليك تاني في موضوع غصن… مدام إنت معايا خلاص... اكيد إنت شايف إن الوقت المناسب علشان تطلقها لسه مجاش… وأنا هصبر
تغيرت ملامح وجهه قليلا، وسكت… دون أن يؤكد أو ينفي وفي آخر الليل كان البيت قد سكن، إلا من أصوات الحراسة في الخارج فـ فتح كاسر باب غرفة غصن دون استئذان، لكنه لم يجدها. وكاد ان يهم بالخروج، فإذا بباب الحمام يفتح وخرجت غصن، ترتدي روبا قصيرا، وشعرها مبلل ينسدل على كتفيها فـ تجمدت حين رأته أمامها، واتسعت عيناها بفزع، وسارعت تشد الروب حولها فنظر كاسر وتأثر بمشهدها، لكنه أخفى ذلك خلف صلابة مصطنعة وقال ببرود:
كنت عايز أتكلم معاكي
أشارت بيدها قائلة:
اتفضل يا عمدة…بس حابة أعرفك إن ال عملته النهارده ده هيولع الدنيا أكتر
اقترب كاسر منها بعصبية وقال:
مش من حق حد ياخدك من بيتي من غير ما أعرف.. وال يوحصل يوحصل بجا ميهمني
اقتربت غصن خطوة مقابلة له وقالت بثبات:
ما إنت هتعرف اهه … عمي هييجي وهتبجى جعدة رجالة ونشوف أخرتها إي بجا.... إنت مستحيل تطلج بنت البندر علشان بتحبها… وكمان حامل في ابنك وأنا برده مش هوافج إنك تطلج واحدة حامل يبجى الطبيعي إني أنا ال أطلج
اشتد صوته وقال :
مش بمزاجكم تمام
صرخت غصن فجأة وهتفت :
أمال بمزاج مين هاا .. بمزاج مين إنت مش معترف بيا أصلا إني مرتك حتي عايز مني إي تاني مش إنت بجيت العمدة خلاص… يعني وجودي ملوش لازمة. عايز مني إي
ارتبك كاسر … والتزم الصمت فـ قالت بمرارة:
معندكش حاجة تطولها كالعاده… اطلع لو سمحت من الأوضة يلا علشان عايزه اغير هدومي وانام
تحرك كاسر نحو الباب بعصبية وحاول فتحه ولكن بدون جدوي … وتوقف فجأة وقال باستغراب:
هو في إي؟
اقتربت غصن وحاولت فتح الباب، لكنه لم يتحرك.
فقالت بنبرة شبه ضاحكة رغم التوتر:
يا لهوي… هنعمل إيه دلوجتي؟ خلاص نط من الشباك
نظر إليها بحدة وردد:
إنتي عايزة تكسري رقبتي... وبعدين وحراسي يجولوا عليا إي لما يشوفوا العمدة بينط من الشباك و أنط ليه أصلا... انا هنام اهنيه وخلاص
اتسعت عيناها بصدمه وقالت:
مينفعش! أنا عايزة أغير هدومي
رد كاسر ببرود:
غيري… وأنا أعملك إي يلا غيري براحتك انا مش مانعك
نظرت إليه غصن بغضب، ثم أمسكت يده فجأة وقالت:
يلا حاول تكسر الباب.. جوم...انت تجدر تكسره وانا عارفه ... جوم يلا
نظر كاسر اليها لكنه بدلاً من أن يتحرك، سحبها نحوه فجأة… وفي لحظة خاطفة، قبّلها فتجمدت بين ذراعيه، وتأثرت للحظة… ثم أفاقت، ودفعته بعيد ا بارتباك وتراجع هو الآخر، وعيناه تعكسان صدمة حقيقية… كأنه لا يفهم كيف فعل ذلك.
وقبل أن يتكلم تسلل خيط دخان خافت من أسفل الباب و بدأ الدخان يزداد كثافة، وارتفعت في الخارج صرخات مذعورة وفجأة، ظهر وهج نار خلف الباب، وبدأت ألسنة اللهب تزحف إلى الداخل فسحب كاسر غصن نحوه بسرعة، وأوقفها خلف ظهره، رافع ا ذراعه أمامها كحاجز وفي الخارج، كانت الصرخات تعلو… والنار تشتعل و
يتبع
رواية بيت العمده الفصل السادس 6
الرواية كامله من( هنا )