رواية عشقت محتاله الفصل الرابع 4 بقلم سلمي جاد
رواية عشقت محتاله الفصل الرابع 4
البارت 4
جميلة اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما لقت باب الأوضة بيتفتح فجأة!
أدهم كان واقف على الباب، وشه ميتفسرش، مليان برود مخيف وعينيه بتلمع بنظرة صقر، وسألها بصوت مرعب:
— "بتكلمي مين
جميلة بصتله بفزع، لسانها اتعقد، وبدأت تتهته برعب:
— "أنا.. أنا..
أدهم كان واقف ساند ضهره على الباب، وعينه مركزة على ملامحها اللي اتخطفت فجأة. قرب منها خطوة وبصوت هادي بس فيه نبرة شك مش مفهومة، سألها:
— "بتكلمي مين في الوقت ده يا جميلة؟"
جميلة حست إن لسانها اتعقد، وبسرعة البرق داست على زرار القفل وفصلت المكالمة، وإيدها كانت بتترعش وهي بتحط الموبايل ورا ضهرها. ردت بصوت مهزوز ومقطوع:
— "دي.. دي واحدة صاحبتي.. كانت بتطمن عليا بس عشان بقالنا كتير مكلمناش بعض."
أدهم فضل باصص في عيونها ثواني كأنه بيقرا اللي جواها، وبعدين هز راسه ببرود وقال:
— "تمام.. طيب يلا نامي عشان الوقت اتأخر، السهر مش كويس عشانك."
جميلة بدأت تاخد نفسها بصعوبة لما حست إن الموضوع عدى، وبتحاول تداري توترها سألته باستغراب:
— "أنت.. أنت رجعت تاني ليه؟ نسيت حاجة؟"
أدهم رفع إيده اللي كانت مخبيها ورا ضهره، وظهرت كوباية لبن، وقال بهدوء:
— "نسيت أديلك كوباية اللبن دي.. خدي اشربيها عشان تهديكي وتنامي بسرعة."
جميلة أول ما شافت الكوباية، معالم وشها اتمعضت ووشها كرمش بطفولة وقالت بضيق:
— "يععععع.. أنا مبحبش أشرب اللبن خالص يا أدهم، بلاش بالله عليك."
أدهم اتنهد وقرب منها أكتر، ورفع الكوباية لمستوى وشها وهو بيقول بحزم حنين:
— "لا لازم تشربيه.. اللبن مفيد وهيريح أعصابك، مش عايز نقاش."
جميلة رجعت لورا خطوة وقالت بحدة وهي بترفض:
— "والله مبحبوش! وممكن أستفرغ فعلاً لو شميت ريحته.. بلاش تضغط عليا."
أدهم مسمعش كلامها، ومسك إيدها براحة وقعدها على طرف السرير، وقعد قدامها وقرب الكوباية من بقها وهو بيبتسم نص ابتسامة:
— "شكلي هتعامل معاكي زي ما بتعامل مع يزن.. رغم إن يزن مبيتعبنيش كدة وبيشرب كوبايته علطول عشان يكبر."
جميلة لفت وشها الناحية التانية وهي مغمضة عينيها بشدة
أدهم فجأة، ومن غير مقدمات، حط إيده على خدها وبصباعه الكبير ضم شفايفها براحة عشان تفتح بقها، ورفع الكوباية وهو بيبص في عينيها بنظرة ساحرة وقال بهمس:
— "عشان خاطري.. اشربيها عشان خاطري يا جميلة."
جميلة اتثبتت مكانها.. لقت وشه قريب من وشها جداً، لدرجة إنها حست بأنفاسه على بشرتها، وعنيه مركزه فى عيونها ، من كتر التوتر والارتباك اللي سيطر عليها، هربت من نظراته بأنها تشرب، وفعلاً سحبت الكوباية وشربتها كلها بوق واحد وهي مغمضة عينها.
أدهم ابتسم بانتصار، وحط الكوباية الفاضية على الكومود اللي جنب السرير، وسحب منديل ورق وبدأ يمسح جنب بقها براحة من أثر اللبن، وقالها بنبرة هادية:
— "شطورة يا جميلة."
جميلة كانت لسه في حالة ذهول، وتفاجأت بيه وهو بيرفع رجليها براحة على السرير وبيشد الغطا عليها لحد رقبتها وهو بيقول:
— "يلا.. غمضي عينك ونامي."
جميلة ضمت شفايفها بحيرة وقالت بصوت واطي:
— "بس أنا مش جايلي نوم.. حاسة إني فايقة أوي."
أدهم ضحك ضحكة خفيفة سحرتها، وقال بمشاكسة وخبث:
— "تحبي أنام جنبك عشان تروحي في النوم بسرعة؟"
جميلة عيونها برقت بصدمة واستخبت تحت الغطا بسرعة وهي بتقول بلجلجة:
— "لا لا! أنا هنام أهو.. خلاص أنا نمت أصلًا.. تصبح على خير!"
أدهم ضحك بصوت عالي وهز راسه على هبلها وطريقتها العفوية، وقال وهو بيقوم:
— "وأنتي من أهله ".
ولكنه افتكر حاجة ورجع تاني.. انحنى وباس راسها من فوق البطانية وسكت ثواني، كأنه بيستنشق ريحتها، وبعدين خرج وقفل الباب وراه بهدوء.
أما جميلة، فأول ما سمعت صوت الباب بيتقفل، شالت الغطا من على وشها وهي بتنهج ونفسها سريع جداً.. فضلت حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق زي الطبل، وهي مش عارفة ده من أثر كتمة نفسها تحت الغطا.. ولا من قرب أدهم اللي بدأ يزلزل كل حصونها.
قامت وسندت ضهرها على السرير، وهمست لنفسها بذهول:
— "أنا لازم أمشي من هنا في أسرع وقت.. أدهم ده خطر، خطر على قلبي وعلى الخطة كلها!"
_____________________________
تاني يوم
أدهم كان لسه خارج من جناحه، لابس قميص أبيض فاتح، وسايب أول زرارين منه مفتوحين، وشعره لسه مبلول من أثر الشاور.. فجأة وقف مكانه وهو بيسمع صوت مزيكا غريب وعالي جداً مالي أركان القصر.
استغرب جداً، لأن القصر ده مبيشتغلش فيه غير الموسيقى الكلاسيكية الهادية، أو سنفونيات عالمية راقية.. نزل درجات السلم ببطء وهو عاقد حاجبه، بس الصدمة خليته يتسمر في نص السلم وهو شايف المنظر اللي قدامه.
الصالة الكبيرة اتقلبت لـ ساحة فرح شعبي.. أغنية شغاله بأعلى صوت، وفي وسط الصالة كانت جميلة واقفة، رابطة طرحة ستان حوالين وسطها، وبترقص بهبل وعفوية وبتدبدب برجليها في الأرض، وقصادها يزن واقف وبيرقص بطريقة مضحكة جداً وهو باصصلها بتركيز وبيحاول يقلد حركاتها بالظبط.
"إيه يا ستو أنا
ستو أنا، أنا
إيه يا ستو أنا (الله)
ستو أنا، أنا
جميلة وهي بتنهج من كتر التنطيط، شاورت ليزن بإيدها:
— "اديله ادي يا زوزو.. هو ده "
يزن رد عليها بضحكة مالية وشه وهو بيحاول يهز كتافه:
— " أيوه بقى ..اديله ادي يا جوجو..!"
أدهم فضل واقف مبهوت، عينه بتتحرك بينهم ومش مصدق إن ده يزن الهادي الرزين اللي مربيه على ايديه.. نزل باقي السلم ببطء شديد وهو بيدقق في كل حركة، والمزيكا مكملة:
"قلبي برتقان بصرة ملكك وأنتي حرة تعصريه عصير (الله)
قلبي كمتراية ناشفة بس فيها بذرة بتحب بضمير
قلبك بطيخة صيفي قرعة بختي وجاي في قرعة والبطيخ كتير (الله)
قلبي أناناس شرايح دايخ جاي رايح من كتر التفكير
يزن فجأة قعد على ركبته في الأرض، وعمل بإيده حركة كأنه بينقط فلوس على جميلة وهي مندمجة في الرقص وبترقص باحترافية وتلف حوالين نفسها.
فاتح شباكي فاتح شيشي (الله)، الوقت في بعدك ما مشيشي
بتقولي هتيجي ما بتجيشي وما يدوقش النوم
آه، يا نسمة صيف جايبة طراوة (الله)، قلبي إتعور منك واوا
محتاج يتعالج يتداوى بالمكروكروم
قلبي حرنكش فيه مزازة وأنتي في اللذاذة ما بتهزريش (الله)
قلبك coconut ثمرة أنتي حلوة قمرة ما بتتكرريش
قلبك قرع يمد لبره الجنازة حارة والميت مفيش
قلبك مشمش مش هسيبه هجري وراه وأجيبه لو كان في العريش
أدهم كان خلاص قرب منهم جداً، بس هما كانوا في عالم تاني.. جميلة بتلف وتلوح بإيدها ويزن بيسقف بجد وحماس رهيب، لحد ما الأغنية خلصت وجميلة وقفت وهي بتنهج جامد وبتمسح عرقها.
فكت الطرحة من حوالين وسطها وبصت ليزن وهي بتضحك:
— "أنا كل يوم لازم أديك درس في الأغاني دي، ده إنت فاتك كتير أوي يا زوزو.. لازم الواحد يفك عن نفسه شوية، سيبك من العملاق الكئيب اللي فوق ده اللي مش فالح غير في.."
ولسه مكملتش جملتها، لفت وشها، لقت أدهم واقف وراها مباشرة، حاطط إيده في جيبه، وباصصلها بنظرة غامضة جداً ممزوجة بذهول.
جميلة شهقت بخضة لدرجة إنها نطت من مكانها، ووشها جاب ألوان الطيف، وقالت بلجلجة:
— "أ.. أ.. أدهم! أنت.. أنت هنا من إمتى؟"
أدهم رفع حاجبه وبص للطرحة اللي في إيدها وبعدين بص ليزن اللي جري استخبى ورا جميلة، وقال بصوت رخيم وهادي:
— "كنت بتقولي إيه بقى؟ سيبك من العملاق الكئيب؟"
جميلة بلعت ريقها وحاولت تخبي الطرحة ورا ضهرها:
— "أنا.. أنا كنت.. أنا كنت بقول العملاق الطيب.. أيوه، أصل أنت طويل ما شاء الله.. فكنت بشكر فيك ليزن."
أدهم كتم ابتسامة بالعافية وهو شايف منظرها المرتبك، وقرب منها خطوة وقال:
— "والبرتقان البصرة والكمتراية الناشفة دول يبقوا مين؟"
جميلة بصت للأرض بكسوف وقالت بصوت واطي وارتباك:
— "ده ..ده .. تعليم حديث يا أدهم ، بنعلم الولد أنواع الفاكهة بس بطريقة مبتكرة.".
أدهم بص ليزن اللي كان بيضحك من وراها، وبعدين رجع نظره لجميلة وقال بحزم مصطنع:
— "خمس دقايق والاقيكم على السفرة.. وحسابي معاكي بعدين ياااا ..
قرب من ودنها وقال بهمس : " ياستو أنا."
جميلة جريت من قدامه وهي بتبرطم بصوت واطي، وأدهم فضل واقف مكانه وبص لأثرها وهو بيبتسم لأول مرة من قلبه، وحس إن روح القصر اتغيرت تماماً بوجودها.
أدهم كان قاعد في مقدمة السفرة، بهيبته اللي بتخلي المكان كله يسكت، وجميلة قاعدة جنبه بتحاول تتجنب نظراته وهي بتقطع الأكل ببطء، ويزن الناحية التانية بياكل وهو لسه بيفتكر رقصة الصبح وبيبتسم لجميلة من تحت لتحت.
وأثناء ما هما بياكلوا ،دخلت الخادمة وقطعت الصمت ده وهي بتقدم ظرف مقفول :
— "أدهم بيه، الظرف ده لسه واصل حالا، حد سلمه على البوابة ومشي."
أدهم خد الظرف ببرود،، وقال :
— "تمام.. اتفضلي إنتي ".
أدهم فحص الظرف في إيده وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
"ده جاي من المعمل"
جميلة كانت بتشرب عصير، وفجأة شرقت بعنف لدرجة إن وشها بقى أحمر . أدهم مد إيده وبدأ يخبط على ضهرها براحة وهدوء مريب وهو بيقول:
— "براحة يا جميلة.. إنتي كويسة؟"
جميلة هزت راسها وهي بتكح وبتحاول تداري الرعب اللي في عينيها، ونفست بصعوبة:
— "ك.. كويسة، الحمد لله، زورت بس."
أدهم سحب إيده وبدأ يفتح الظرف ببطء شديد.. صوت قطع الورق كان بالنسبة لجميلة زي صوت طلقات الرصاص. طلع الورقة وفردها قدامه، وبدأ يقرا الكلام اللي فيها بعينه، وهو ساكت تماماً.. مفيش شعرة منه اتحركت.
الثواني كانت بتمر على جميلة كأنها سنين، ريقها نشف وبقت حاسة إن الدنيا كلها بيلف بيها.. "خلاص يا جميلة، النهاية جت، أدهم هيعرف إنك نصابة وهيرميكي في الحبس."
أدهم حط الورقة على الترابيزة بهدوء مبالغ فيه، وسكت لثواني وهو باصص قدامه كأنه بيفكر في حاجة كبيرة، وفجأة.. نقل نظره لجميلة. عينيه كانت حادة ومركزة عليها زي الصقر اللي حدد فريسته.
أدهم ببرود قاتل:
— "دي نتيجة تحليل الـ DNA.. التحليل اللي هيقطع الشك باليقين يا جميلة."
سكت تاني، وجميلة كانت خلاص هتيأس وتتكلم من كتر الخوف، لحد ما نطق وقال:
— "للأسف.. النتيجة طلعت.."
جميلة غمضت عينها بشدة وهي مستنية الحكم، بس أدهم كمل جملته بابتسامة هادية:
— "النتيجة طلعت إيجابية.. إنتي فعلاً ياسمين السويسي، أختي اللي كنت بدور عليها."
يزن بفرحة طفولية وه مش فاهم ايه الي بيحصل :"هييييه يعنى جميله تبقى أختي".
جميلة فتحت عينها بصدمة حقيقية.. كانت متوقعة عكس كده، لكن النتيجة طلعت مطابقة؟! إبراهيم عملها إزاي؟ وازاي المعمل طلع النتيجة كدة؟
أدهم قام من مكانه وقرب منها، ومسك إيدها اللي كانت بتترعش، وقال بصوت واطي فيه حنان مشوب بالغموض:
— "مبروك يا ياسمين.. القصر ده وأملاك كتير غيره هيبقوا ملكك رسمياً.. بس غريبة، ليه ملامحك مفيش عليها أي فرحة؟"
جميلة بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهزوز:
— "أنا.. أنا بس مش مصدقة.. من كتر الفرحة مش عارفة أقول إيه."
أدهم ضغط على إيدها وقال:
— " عموماً النهاردة بليل فيه حفلة صغيرة، هعلن فيها لكل الناس إن ياسمين السويسي رجعت لمكانها.. جهزي نفسك."
_________________________________
أوضة حيطانها مشققة كأنها بتحكي سنين من التعب، والدهان بيقع منها
وقفت قدام مراية مكسورة في نص الأوضة، اتأملت شكلها بهدوء؛ كانت لابسة بلوزة باللون الزيتي وبنطلون أسود بسيط، ورافعة شعرها لورا في ديل حصان بملامحها الرقيقة اللي الفقر مقدرش يطفي جمالها. نزلت عينيها للكوتشي الأبيض اللي لابساه، كان مهتري ومقطوع من قدام، زيه زي كل حاجة في حياتها اللي ماشية بالعافية.
اتنهدت تنهيدة طويلة مليانة حمول، وسحبت شنطتها الجلد المقشرة وخرجت للصالة. لقت منصور قاعد كالعادة، حاطط رجل على رجل قدام التلفزيون الموشوش وهو بيتابع الماتش بتركيز، وسيجارته في إيده.
ياسمين بصوت هادي وخفيض:
— "بابا.. أنا نازلة شغلي."
منصور محركش عينه من على الشاشة، ورد بتهكم وسخرية:
— "أنا مش عارف شغل إيه اللي رايحاه ده! قال محل لبس قال.. واقفالي فيه طول النهار والليل وبترجعي بملاليم."
ياسمين غمضت عينيها، وحاولت تحافظ على هدوئها وهي بترد نفس الرد اللي بتقوله كل يوم بقالها سنين:
— "معلش يا بابا.. ربنا يرزقني بشغل أحسن، أهو ده اللي موجود دلوقتي ومشي حالنا."
منصور نفخ دخان سيجارته وقال بلا مبالاة:
— "ماشي يا ختي.. وعلي الله تيجي متأخر، أنا مش ناقص وجع دماغ وكلام ناس."
ياسمين مردتش عليه، مشيت من قدامه بقلب مقبوض، وخرجت من باب الشقة اللي بيزيق، ونزلت السلم المكسر بسرعة. وقفت على أول الحارة وشاورت لتوكتوك:
— "على المحل يا أسطى بسرعة الله يباركلك."
ركبت التوكتوك وهي بتسند راسها على الحديد بتاعه، وعيونها بتراقب المحلات والناس، ومكنتش تعرف إن في الوقت ده بالظبط، في قصر فخم على الناحية التانية من المدينة، في واحدة تانية عايشة حياتها، وبتاخد مكانها في حضن أخوها اللي متعرفش عنه حاجة! ....
________________________________
جميلة كانت لسه خارجة من الحمام بعد شاور طويل استعداداً للحفلة اللي أدهم أصر يعملها. فكت الفوطة وبدأت تنشف شعرها، وفجأة سمعت دقات هادية على الباب، قالت بصوت هادي:
— "ادخل."
دخلت الخادمة وهي شايلة في إيدها حاجة متغطية بقماشة طويلة، وقالت باحترام:
— "جميلة هانم، ده الفستان بتاعك، أدهم بيه أمرني أوصلهولك لحد هنا."
جميلة استغربت وقالت بتساؤل:
— "فستان إيه؟"
خدت منها الفستان، والخدامة خرجت من الجناح بهدوء. جميلة حطته على السرير وبدأت تفتح سوستة القماش المخبية اللي جواه، وأول ما ظهر، شهقت بانبهار من اللي شافته.
كان فستان سهرة بلون فيروزي ساحر، طويل لحد الكاحل، ومن فوق مفتوح من عند الكتف أوفف شولدر ونازل بانسيابية رقيقة جداً. جميلة قالت بانبهار وهي بتلمس القماش:
— "إيه الجمال ده! ده ذوق أدهم؟"
خدته بسرعة وقاسته، وبدأت تعمل شعرها تسريحة بسيطة وناعمة عشان تليق مع استايل الفستان، واكتفت بتوكة رقيقة من ورا على شكل فراشة زجاجية غاية في الرقة، وحطت ميكب بسيط جداً أبرز نعومة ملامحها اللي بتجمع بين الأنوثة والبراءة، مع جزمة كعب عالي.
وقفت تتأمل نفسها في المراية الكبيرة اللي في نص الجناح.. الفستان كان كأنه متفصل عليها مخصوص، واللون الفيروزي كان عامل تباين يجنن مع لون بشرتها الخمرية.
فاقت من سرحانها لما الباب خبط للمرة التانية، وكانت نفس الخادمة وهي بتقول بلهفة:
— "أدهم بيه والبيه الصغير مستنيين حضرتك تحت، الحفلة بدأت يا هانم."
جميلة ردت بتوتر:
— "تمام.. قولي لهم أنا جاية."
ألقت نظرة أخيرة على شكلها في المراية، خدت نفس طويل عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت بتسمعها في ودنها، وفتحت الباب وخرجت.
في الصالة الرئيسية
أدهم كان واقف في نص القاعة، لابس بدلة سودة تكسيدو مرسومة عليه رسم، وجنبه يزن اللي كان لابس بدلة صغيرة وشكله قمر. أدهم كان بيتكلم مع واحد من الضيوف، لكن عينيه كانت كل شوية تبص على السلم.
وفجأة.. ظهرت جميلة في أول السلم.
أدهم سكت تماماً، ونظراته اتسمرت عليها. يزن أول ما شافها سقف بإيده وصاح بفرحة:
— "بص يا بابا! جميلة بقت شبه الأميرات اللي فى الكارتون!"
أدهم مكنش سامع يزن، كان مركز مع اللي نازلة السلم بكل رقة، وحس للحظة إن قلبه بيدق بسرعة مش مفهومة..
جميلة نزلت آخر درجة، ووقفت قدامه وهي وشها أحمر من الكسوف وقالت بصوت واطي:
— "شكراً على الفستان.. ذوقك حلو أوي."
أدهم قرب منها، وعينه في عينها، وهمس بصوت رجولي دافي:
— "الفستان هو اللي بقى له قيمة لما لبستيه يا جميلة.. أنتي النهاردة مفيش حد هيقدر يشيل عينه من عليكي ...وأولهم أنا."
الوقت بيمر ، جميلة واقفه مع يزن وهما بيشربوا العصير، كانت بتضحك معاه وبتحاول تنسى توترها، لكن يزن فجأة شاف واحد من أصحاب وراح يلعب معاه
وساب جميلة واقفة لوحدها بتتأمل زحمة الحفلة بملل.
كانت حاسة إنها مخنوقة من الأجواء الرسمية، والأصعب من ده كله كان الكعب العالي اللي أول مرة تلبسه في حياتها وحاسة إنه بيغرس في رجليها. بصت يمين وشمال، ولما لقت الكل مشغول، قررت بتهور وعفوية إنها تقلع الجزمة وتفضل حافية، وبما إن الفستان كان طويل ومنفوش من تحت، مكنش باين خالص إنها حافية على الأرضية.
من بعيد، كان فيه شاب مركز مع كل حركاتها، بتابع عفويتها بابتسامة إعجاب، وقرر يقرب منها. فجأة، جميلة لقت شاب وسيم جداً واقف قدامها، لابس بدلة جملي شيك، ملامحه أروبية ببشرة بيضا وعيون خضرا وشعر بني متسرح لورا بانتظام.
الشاب بابتسامة جذابة:
— "أحلى حاجة عملتيها إنك قلعتي الشوز.. أهم حاجة الواحد يبقى مرتاح بعيد عن المنظرة وراي الناس."
جميلة اتفاجئت وبصتله بذهول، وبعدين ضحكت بكسوف:
— "هو أنت خدت بالك؟ بجد رجلي كانت هتتكسر."
الشاب مد إيده بكل رقي وقال:
— "هاي.. أنا هشام، رجل أعمال، واتشرفت جداً بمعرفتك."
جميلة سلمت عليه بابتسامة مجاملة:
— "أهلاً وسهلاً.. أنا جميلة."
هشام همس باسمها وكأنه بيستطعمه:
— "جميلة.. اسم على مسمى .. قوليلي بقى، أنتي تبع مين هنا؟ ولا أوعي تقوليلي إنك صاحبة شركة كبيرة وأنا اللي مش عارف؟"
جميلة هزت راسها بنفي وضحكت بعفوية:
— "لا طبعاً شركة إيه! أنا مقدرش أدير محل صغير، هتدير شركة!"
هشام ضحك بصوت عالي على صراحتها:
— "دمك خفيف أوي يا أنسة جميلة.. بجد مش لاقي فيكي غلطة، رقة وجمال وخفة دم."
وفجأة، طلع صوت من وراه زي الرعد، قطع كلامه بحدة:
— "وفيها مميزات كتير يا هشام.. تحب أعرفهالك؟"
هشام لف واتفاجئ بأدهم واقف والشر بيتطاير من عينيه، ملامحه الرجولية القوية كانت مسيطرة على المكان بهيبة مرعبة خلت وسامة هشام الأروبية تبهت قدامه. أدهم وقف جنب جميلة وحاوط كتفها بإيده بملكية واضحة، وقال ببرود قاتل:
— "إيه يا حبيبتي.. معرفتيهوش أهم ميزة فيكي؟ إنك حبيبتي."
أدهم لقى نفسه بيكدب على هشام لسبب مجهول، بس اللي متأكد منه إنه مش عايز يعرفه إنها أخته وإن ممكن يبقى له فرصه يتقرب منها
هشام برق بعينه بصدمة:
— "حبيبتك هو انت ارتبطت امتى .. أقصد يعنى إنى مكنتش أعرف إنها تخصك؟"
أدهم رد بسماجة وهو بيضغط على كتف جميلة:
— "آه.. عندك اعتراض ولا حاجة؟ وبعدين الحفلة دي أصلاً معمولة عشان أرحب بوجودها في حياتي."
هشام حاول يلم الموضوع بارتباك:
— "لا أبداً.. أنا بس استغربت مش أكتر، ومكنتش أعرف إنها حفلة هتعلن فيه ارتباطك، افتكرتها بخصوص الشغل زي العادة."
أدهم سحب جميلة من إيدها فجأة وقال وهو بيمشي بيها بعيد:
— "طيب هسيبك في استغرابك ده، وآخد حبيبتي أرقص معاها."
جميلة لقت نفسها فجأة مع أدهم في وسط ساحة الرقص، والعيون كلها اتوجهت عليهم. همست بتوتر وخوف:
— "أدهم.. أرجوك، أنا مش بعرف أرقص."
أدهم بص لها بسخرية وهو بيقربها منه:
— "ليه؟ ده أنتي كويسة خالص الصبح.. أنا شوفت المواهب بنفسي."
جميلة وشها احمر:
— "ده كان هبل وقصاد يزن بس.. لكن ده رقص سلو والناس كلها شيفانا، أرجوك بلاش."
أدهم فجأة حاوط وسطها بإيده التانية وشدها عليه بقوة خلت أنفاسها تهرب، وهمس بصوت واطي وساحر:
— "ملكيش دعوة بالناس.. خليكي معايا أنا وبس."
شاور أدهم بدماغه للراجل المسؤول عن الموسيقى، وفجأة الأنوار الكبيرة انطفت، وساد صمت للحظات، قبل ما يرجع نور خافت جداً باللون الموف الهادي، عطى أجواء رومانسية خيالية.
أدهم قرب جميلة منه أكتر، لدرجة إنها بقت سامعة دقات قلبه القوية، وهي اتشبثت في صدره بتوتر. بدأت ألحان أغنية "ومالو" تشتغل بصوت عمرو دياب، وأدهم بدأ يتحرك ببطء وثبات، وهو بيقود حركتها وكأنه بيحتويها تماماً..
" وماله لو ليلة توهنا بعيد وسيبنا كل الناس
أنا يا حبيبي حاسس بحب جديد
ماليني ده الإحساس
وأنا هنا جنبي أغلى الناس
أنا جنبي أحلى الناس
جميلة سألته باستغراب وتوهان: ليه قولت كده لهشام ..ليه مقولتش إني أختك
أدهم بصلها بنظرات ثابته بتخترق قلبها قبل عنيها ،وفجأة مد إيده على راسها وشدها على كتفه، فبقت راسها على كتفه وحرف صدره، وبتكمل الأغنية بصوت الهضبة الدافي اللي ملى المكان:
"حبيبى ليلة، تعالى ننسى فيها اللي راح
تعالى جوا حضني وارتاح
دي ليلة تسوى كل الحياة
وما لي غيرك ولولا حبك هعيش لمين؟
حبيبي جاية أجمل سنين
وكل مادى تحلى الحياة
الناس في القاعة بدأوا يتهامسوا بذهول على الثنائي ده؛ الكل بيسأل: "مين البنت اللي خطفت قلب أدهم السويسي بالشكل ده؟ ومين اللي قدرت تخليه بالهيام والرقص ده وهو المعروف عنه الجمود؟"
أما عند أدهم وجميلة، فكانوا في عالم تاني خالص.. أدهم كان باصصلها في عيونها اللي شبه عيون الغزلان وغرقان فيهم، وجميلة دقات قلبها كانت عالية وسريعة جداً، لدرجة إنها شكت إنه ممكن يكون سامع دقات قلبها بوضوح من كتر قربهم.
بسبب الشعور ده والتوتر اللي سيطر عليها، مسكت إيده بقوة وضغطت عليها، لأنها حست إن توازنها ممكن يختل في أي لحظة ورجليها مش شايلاها.. والأغنية بتكمل في الخلفية:
" حبيبي المس إيديا عشان أصدق اللي أنا فيه
ياما كان نفسي أقابلك بقالي زمان
خلاص وهحلم ليه؟
ما أنا هنا جنبي أغلى الناس
جنبي أحلى الناس
أدهم مال على ودنها وهمس بصوت أجش خلى جسمها كله يتنفض:
— "خايفة من إيه يا جميلة؟ إيدك بتترعش ليه؟"
جميلة رفعت عينها وبصتله بتوهان، ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، كانت حاسة إن ياسمين اللي بتمثل دورها اختفت، ومفضلش غير جميلة اللي بدأت تقع في عشقه.
أدهم شدد من قبضته على وسطها وكأنه بيطمنها، وهمس تاني وهو باصص في عيونها:
— "لو كان ده حلم، فأنا مش عايز أصحى منه أبداً يا جميلة ."
جميلة في اللحظة دي نسيت إنها حافية، ونسيت الحفلة، ونسيت حتى تهديد إبراهيم.. مكنتش شايفة غير نظرة أدهم اللي كانت بتقول كلام كتير أوي مبيتحكيش.
#رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد
🖋️Salma Gad 🍉
يتبع
الرواية كامله من( هنا )